تَنفِروا فَانفِروا ، وإن أمَرَكُم أن تُقيموا فَأَقيموا ؛ فَإِنَّهُ لا يُقدِمُ ولا يُحجِمُ ولا يُؤَخِّرُ ولا يُقَدِّمُ إلّاعَن أمري ، وقَد آثَرتُكُم بِهِ عَلى نَفسي لِنَصيحَتِهِ لَكُم ، وشِدَّةِ شَكيمَتِهِ عَلى عَدُوِّكُم » .
وكانَت تَعليماتُهُ عليه السلام الحُكومِيَّةُ - المَشهورَةُ بِ « عَهدِ مالِكٍ الأَشتَرِ » - أعظَمَ وأرفَعَ وَثيقَةٍ لِلحُكومَةِ وإقامَةِ القِسطِ ، وهِيَ خالِدَةٌ عَلى مَرِّ التّاريخِ .
وكانَ مُعاوِيَةُ قَد عَقَدَ الأَمَلَ عَلى مِصرَ ، وحينَ شَعَرَ أنَّ جَميعَ خُطَطِهِ سَتَخيبُ بِذِهابِ مالِكٍ إلَيها ، قَضى عَلَيهِ قَبلَ وُصولِهِ إلَيها . وهكَذَا استُشهِدَ لَيثُ الوَغى ، وَالمُقاتِلُ الفَذُّ ، وَالنّاصِرُ الفَريدُ لِمَولاهُ ، بِطَريقَةٍ غادِرَةٍ بَعدَما تَناوَلَ مِنَ العَسَلِ المَسمومِ بِسَمٍّ فَتّاكٍ ، وعَرَجَت روحُهُ المُشرِقَةُ الطّاهِرَةُ إلَى المَلَكوتِ الأَعلى .
وحَزِنَ الإِمامُ عليه السلام لِمَقتَلِهِ ، حَتّى عَدَّ مَوتَهُ مِن مَصائِبِ الدَّهرِ . وأبَّنَهُ فَكانَ تَأبينُهُ إيّاهُ فَريداً ؛ كَما أنَّ وُجودَ مالِكٍ كانَ فَريداً لَهُ في حَياتِهِ عليه السلام .
ولَمّا نُعِيَ إلَيهِ مالِكٌ وبَلَغَهُ خَبَرُ استِشهادِهِ المُؤلِمِ ، صَعِدَ المِنبَرَ ، وقالَ :
« ألا إنَّ مالِكَ بنَ الحارِثِ قَد قَضى نَحبَهُ ، وأوفى بِعَهدِهِ ، ولَقِيَ رَبَّهُ ، فَرَحِمَ اللَّهُ مالِكاً ! لَو كانَ جَبَلًا لَكانَ فِنداً « 1 » ، ولَو كانَ حَجَراً لَكانَ صَلداً .
لِلّهِ مالِكٌ ! وما مالِكٌ ! وهَل قامَتِ النِّساءُ عَن مِثلِ مالِكٍ ! وهَل مَوجودٌ كَمالِكٍ ! » .
ومُعاوِيَةُ الَّذي كانَ فَريداً أيضاً في خُبثِ طَوِيَّتِهِ ورَذالَتِهِ وضَعَتِهِ وقَتلِهِ لِلفَضيلَةِ ، طارَ فَرِحاً بِاستِشهادِ مالِكٍ ، ولَم يَستَطِع أن يُخفِيَ سُرورَهُ ، فَقالَ
هامش
( 1 ) . الفِنْد من الجبل : أنفه الخارج منه . وقيل : هو المُنفَرد من الجبال ( النهاية : ج 3 ص 475 ) .