يَتَقَلَّبونَ فِي المُلكِ بِآرائِهِم ، ويَستَشعِرونَ الخِزيَ بِأَهوائِهِمُ ، اقتِداءً بِالأَشرارِ ، وجُرأَةً عَلَى الجَبّارِ ، في كُلِّ بَلَدٍ مِنهُم عَلى مِنبَرِهِ خَطيبٌ يَصقَعُ « 1 » ، فَالأَرضُ لَهُم شاغِرَةٌ « 2 » ، وأيديهِم فيها مَبسوطَةٌ ، وَالنّاسُ لَهُم خَوَلٌ « 3 » ، لا يَدفَعونَ يدَ لامِسٍ ، فَمِن بَينِ جَبّارٍ عَنيدٍ ، وذي سَطوَةٍ عَلَى الضَّعَفَةِ شَديدٍ ، مُطاعٍ لا يَعرِفُ المُبدِئَ المُعيدَ .
فَيا عَجَباً وما لي لا أعجَبُ ! وَالأَرضُ مِن غاشٍّ غَشومٍ « 4 » ، ومُتَصَدِّقٍ ظَلومٍ ، وعامِلٍ عَلَى المُؤمِنينَ بِهِم غَيرِ رَحيمٍ ، فَاللَّهُ الحاكِمُ فيما فيهِ تَنازَعنا ، وَالقاضي بِحُكمِهِ فيما شَجَرَ بَينَنا .
اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعلَمُ أنَّهُ لَم يَكُن ما كانَ مِنّا تَنافُساً في سُلطانٍ ، ولَا التِماساً مِن فُضولِ الحُطامِ ، ولكِن لنُرِيَ المَعالِمَ مِن دينِكَ ، ونُظهِرَ الإِصلاحَ في بِلادِكَ ، ويَأمَنَ المَظلومونَ مِن عِبادِكَ ، ويُعمَلَ بِفَرائِضِكَ وسُنَنِكَ وأحكامِكَ ، فَإِن لَم تَنصُرونا وتُنصِفونا قَوِيَ الظَّلَمَةُ عَلَيكُم ، وعَمِلوا في إطفاءِ نورِ نَبِيِّكُم ، وحَسبُنَا اللَّهُ وعَلَيهِ تَوَكَّلنا وإلَيهِ أنَبنا « 5 » وإلَيهِ المَصيرُ . « 6 »
هامش
( 1 ) . الخَطيبُ المِصقَعُ : أيالبليغ الماهر في خطبته الداعي إلى الفتن الذي يحرّض الناس عليها ، والصّقع : رفع الصوت ومتابعته ( النهاية : ج 3 ص 42 « صقع » ) .
( 2 ) . شاغرة : أي واسعة ( لسان العرب : ج 4 ص 418 « شغر » ) .
( 3 ) . الخَوَل : مثال الخَدَم والحَشَم وزناً ومعنى ( المصباح المنير : ص 184 « خول » ) .
( 4 ) . الغَشْمُ : الظُلْمُ ( الصحاح : ج 5 ص 1996 « غشم » ) .
( 5 ) . الإنابة : الرجوع إلى اللَّه بالتوبة ( النهاية : ج 5 ص 123 « نوب » ) .
( 6 ) . تحف العقول : ص 237 ، بحار الأنوار : ج 100 ص 79 ح 37 .