تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المناهج الروائية عند الشريف المرتضى — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
لم يكن مسموعاً إلّاالأذَن ( بالتحريك ) لجاز التسكين ، مثل مَثَلٍ ومِثْلٍ وشَبَهٍ وشبْهٍ ونظائر ذلك كثيرة . ومنها : أن يكون الإذن العلم ، ومعناه إعلام اللَّه المكلّفين بفضل الإيمان وما يدعو إلى فعله ، ويكون معنى الآية : وما كان لنفسٍ أنْ تؤمن إلّابإعلام اللَّه لها بما يبعثها على الإيمان ، وما يدعوها إلى فعله . فأمّا ظنّ السائل دخول الإرادة في محتمل اللفظ فباطل ؛ لأنّ الإذن لا يحتمل الإرادة في اللّغة ، ولو احتملها أيضاً لم يجب ما توهّمه ؛ لأنّه إذا قال : إنّ الإيمان لا يقع إلّاوأنا مريد له لم ينف أن يكون مريداً لما لم يقع ، وليس في صريح الكلام ولا دلالته شيء من ذلك . وأمّا قوله تعالى :
« وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ »
فلم يعن بذلك الناقصي العقول ، وإنّما أراد الّذين لم يعقلوا ويعلموا ما وجب عليهم علمه من معرفة اللَّه خالقهم ، والاعتراف بنبوّة رسله والانقياد إلى طاعتهم ، ووصفهم تعالى بأنّهم لا يعقلون تشبيهاً ، كما قال تعالى :
« صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ »
« 1 » ، وكما يصف أحدنا من لم يفطن لبعض الأمور ، أو لم يعلم ما هو مأمور بعلمه بالجنون وفقد العقل . فأمّا الحديث الّذي أورده السائل شاهداً له فقد قيل : إنّه عليه وآله السلام لم يرد بالبُلْهِ ذوي الغفلة والنقص والجنون ، وإنّما أراد البُلْه عن الشرّ والقبيح ، وسمّاهم بُلْهاً عن ذلك من حيث لا يستعملونه ولا يعتادونه ، لا من حيث فقدوا العلم به . ووجه تشبيه من هذه حاله بالأَبْله ظاهر ؛ فإنّ الأَبْلَهَ عن الشيء هو الّذي لا يعرض له ولا يقصد إليه ، فإذا كان المتنزِّه عن الشرّ معرضاً عنه ، هاجراً لفعله جاز أن يوصَف بالبَلَه للفائدة الّتي ذكرناها ، ويشهد بصحّة هذا التأويل قول الشاعر :
ولَقَدْ لَهَوْتُ بِطَفْلَةٍ مَيَّادَةٍ * بلْهَاءَ تُطْلُعنِي علَى أَسْرَارِها
أراد أنّها بَلْهاء عن الشرّ والريبة ، وإن كانت فطنةً لغيرهما ؛ وقال أبو النجم العجلي :
مِنْ كُل عَجْزَاءَ سَقُوطِ البرقُعِ * بَلهاءَ لَمْ تُحْفَظ وَلَمْ تُضَيَّعِ
هامش
( 1 ) . البقرة : 18 .