ومنه قيل : المغني المغاني ، قال اللَّه تعالى :
« كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا »
« 1 » أيلم يقيموا بها .
وقال الأسود بن يعفر الأيادي :
ولقد غنوا فيها بأنعم غنية * في ظلّ ملك ثابت الأوتاد
وقول الأعشى الّذي أنشده أبو عبيد ، وهو :
وكنت امراً زمناً بالعراق * عفيف المناخ طويل التّغن
بطول المقام أشبه منه بالاستغناء ؛ لأنّ المقام يوصف بالطول ، ولا يوصف الاستغناء بذلك ، فكأنّ الأعشى أراد : إنّني كنت ملازماً لوطني ، مقيماً بين أهلي ، لا أسافر للانتجاع والطَّلب ، ويجري قوله هذا مجرى قول حسان بن ثابت الأنصاري :
أولاد جفنة حول قبر أبيهم * قبر ابن مارية الكريم المُفْضِلِ
أراد بقوله : « حول قبر أبيهم » أنّهم ملوك لا ينتجعون ، ولا يفارفون محالّهم وأوطانهم ، فيكون معنى الخبر على هذا الوجه : من لم يُقِمْ على القرآن فلا يتجاوزه إلى غيره ، ولا يتعدّاه إلى سواه ، ويتخذه مَغْنىً ومنزلًا ومُقاماً فليس منّا .
فإن قيل : أليس قد يتعدّى القرآن إلى السنّة والإجماع وسائر أدلّة الشرع ؟ فكيف يحظر علينا تعدّيه ؟
قلنا : ليس في ذلك تَعَدٍّ للقرآن ؛ لأنّ القرآن دالّ على وجوب اتّباع السنّة وغيرها من أدلّة الشرع ، فمن اعتمد بعضها في شيء من الأحكام لا يكون متجاوزاً للقرآن ، ولا متعدياً . فأمّا قوله عليه السلام : « ليس منّا » فقد قيل فيه : إنّه لا يكون على أخلاقنا ، واستشهد ببيت النابغة :
إذا حاولت في أسد فجوراً * فإنّي لست منك ولست منّي
وقيل إنّه أراد : ليس على ديننا . وهذا الوجه لا يليق إلّابجوابنا الّذي اخترناه .
هامش
( 1 ) . الأعراف : 92 .