وشريف نظرته الإنسانية ، الّتي تعبر عن قلبه الشفيق الرحيم العطوف على هذه النفوس البشرية المعذبة بويلات العصبية الرعناء ، والطائفية البغضية ، والعنعنات الباطلة ، المنبعثة من الجهل المطبق ، وضيق الأفق المحدود ، فالشريف المرتضى قدس سره كان له أسوة حسنة في جدّه الرسول الأعظم وأهل بيته الكرام صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الأجلّة ، المرددين قول ربّ الخلق أجمعين :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ » .
« 1 »
أمّا شغف الشريف المرتضى قدس سره بجمع الكتب وولعه باقتنائها فيكفينا أن نذكر أنّ خزانته ضمّت ثمانين ألف مجلّد من مصنفاته ومحفوظاته ومقروءاته ، على ما حصره وأحصاه صديقه أبو القاسم التنوخي . « 2 »
وقد قوّمت هذه الكتب بثلاثين ألف دينار على ما ذكره الثعالبي في كتابه يتيمة الدهر ، هذا بعد أن أهدى الشريف المرتضى قدس سره من هذه الكتب إلى الرؤساء والوزراء شطراً .
منزلته الاجتماعية والسياسية
كان الشريف رحمه الله مقرّباً لدى خلفاء بني العباس ، أثيراً عندهم ومعظماً ؛ وذلك لما يتحلّى به من كريم الصفات وعظيم الملكات ؛ ولما تربطه بهم من وشائج النسب ، ووسائل القربى ، مع جليل المكانة والمنزلة عند الخاصّ والعام ؛ ولذا قلّد نقابة الطالبين ، وأمر الحجّ والمظالم ، وجميع ما كان لأخيه الرضي - وهي مناصب خطيرة
هامش
( 1 ) . الحجرات : 13 .
( 2 ) . روضات الجنات : ص 383 . والتنوخي : هو أبو القاسم علي بن المحسن القاضي صاحب المرتضى وتلميذه ، ولد بالبصرة سنة ( 365 ه ) وولي القضاء بالمدائن ، وكان متحفظاً في الشهادة محتاطاً صدوقاً في الحديث توفي سنة ( 447 ه ) ودفن في داره بدرب التل ، وقد كتب عنه الخطيب البغدادي وصلى على جنازته .