تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح العلوم — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
مشاهدتها ؛ تعجيبا من جرأته على كل هول ، وثباته عند كل شدة ، وقوله سبحانه :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
« 1 » دون : ( كن فكان ) من هذا القبيل ، واستلزم في مثل :
لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ
« 2 » حمله على تقدير : لو تملكون تملكون لفائدة التأكيد ، ثم حذف الفعل الأول اختصارا ؛ لدلالة ضميره عليه المبدل ، بعد ذهاب الفعل ، منفصلا ، وأمثال هذه اللطائف لا تتغلغل فيها إلّا أذهان الراضة « 3 » من علماء المعاني ؛ ولمبنى علم المعاني على التتبع لتراكيب الكلام واحدا فواحدا ، كما ترى ، وتطلب العثور على ما لكل منها من لطائف النكت مفصلة ، لا تتم الإحاطة به إلا لعلام الغيوب ، ولا يدخل كنه بلاغة القرآن إلّا تحت علمه الشامل . واعلم أن مستودعات فصول هذا الفن لا تتضح إلّا باستبراء زناد خاطر وقاد ، ولا تنكشف أسرار جواهرها إلّا لبصيرة ذي طبع نقاد ، ولا تضع أزمتها إلّا في يد راكض في حلبتها إلى أنأى مدى ، باستفراغ طوق متفوق أفاويق استثباتها بقوة فهم ، ومعونة ذوق مولع من لطائف البلاغة بما يؤثرها القلوب بصفايا حباتها ، وتنثر عليها أفئدة مصاقع « 4 » الخطباء خبايا محباتها ، متوسل بذلك أن يتألق في وجه الإعجاز في التنزيل ، متنقلا مما أجمله عجز المتحدين به عندك إلى التفصيل ، طامع من رب العزة والكبرياء في المثوبة الحسنى ، والفوز عنده يوم النشور بالذخر الأسنى .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران الآية 59 . ( 2 ) سورة الإسراء الآية : 100 . ( 3 ) أذهان الراضة : يعني العلماء الذين راضوا المعاني ، وعلموها وتبحروا فيها ، من راض المهر يروض رياضا ورياضة فهو مروض . ( 4 ) مصاقع الخطباء : بلغاؤهم ، واحده مصقع .