ترك مفعوله :
وأما الحالة المقتضية لترك مفعوله فهو : القصد إلى التعميم والامتناع على أن يقصره السامع على ما يذكر معه دون غيره مع الاختصار ، وأنه أحد أنواع سحر الكلام ، حيث يتوصل بتقليل اللفظ إلى تكثير المعنى ، كقولهم في باب المبالغة : فلان يعطي ويمنع ، ويصل ويقطع ، ويبني ويهدم ، ويغني ويعدم ، وقوله عز قائلا :
وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ
« 1 » أو القصد إلى نفس الفعل بتنزيل المتعدي منزلة اللازم ، ذهابا في نحو : فلان يعطي ، إلى معنى ، يفعل الإعطاء ، ويوجد هذه الحقيقة إيهاما للمبالغة بالطريق المذكور في إفادة اللام للاستغراق ، وعليه قوله عز وجل :
فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
« 2 » المعني وأنتم من أهل العلم والمعرفة . أو القصد إلى مجرد الاختصار ، لنيابة قرائن الأحوال عن ذكره ، كقوله عز وعلا :
أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا
« 3 » إذ لا يلبس أن المراد : أهذا الذي بعثه اللّه لاستدعاء الموصول ، الراجع إليه من الصلة ، وقوله :
أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
« 4 » لاتضاح أن المراد أرني ذاتك ، وقوله :
وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ
« 5 » لانصباب الكلام إلى إرادة يسقون مواشيهم ، وتذودان غنمهما ، ولا نسقي غنمنا حتى يصدر الرعاء مواشيهم ، وقوله :
فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
« 6 » لظهور أن المراد لو شاء هدايتكم لهداكم ، ولك أن تنظم قوله :
هامش
( 1 ) سورة يونس ، الآية 25 .
( 2 ) سورة البقرة الآية 22 .
( 3 ) سورة الفرقان الآية 41 .
( 4 ) سورة الأعراف ، الآية 143 .
( 5 ) سورة القصص الآية 23 .
( 6 ) سورة الأنعام ، الآية 149 .