بالأغلب من الظن أولا بثبوت الحكم أو الوصف الجامع فيحصل الظن بثبوته في الفرد المشكوك .
ومما يشهد بعدم حصول الظن بالبقاء اعتبار الاستصحاب في موردين يعلم بمخالفة أحدهما للواقع فإن المتطهر بمائع شك في كونه بولا أو ماء يحكم باستصحاب طهارة بدنه وبقاء حدثه مع أن الظن بهما محال وكذا الحوض الواحد إذا صب فيه الماء تدريجا فبلغ إلى موضع شك في بلوغ مائه كرا فإنه يحكم حينئذ ببقاء قلته فإذا امتلأ وأخذ منه الماء تدريجا إلى ذلك الموضع فيشك حينئذ في نقصه عن الكر فيحكم ببقاء كريته مع أن الظن بالقلة في الأول وبالكرية في الثاني محال .
ثم إن إثبات حجية الظن المذكور على تقدير تسليمه دونه خرط القتاد خصوصا في الشبهة الخارجية التي لا يعتبر فيها الغلبة اتفاقا فإن اعتبار استصحاب طهارة الماء من جهة الظن الحاصل من الغلبة وعدم اعتبار الظن بنجاسته من غلبة أخرى كطين الطريق مثلا مما لا يجتمعان وكذا اعتبار قول المنكر من باب الاستصحاب مع الظن بصدق المدعي لأجل الغلبة .
ومنها بناء العقلاء على ذلك في جميع أمورهم كما ادعاه العلامة في النهاية وأكثر من تأخر عنه .
وزاد بعضهم أنه لولا ذلك لاختل نظام العالم وأساس عيش بني آدم وزاد آخر أن العمل على الحالة السابقة أمر مركوز في النفوس حتى الحيوانات ألا ترى أن الحيوانات تطلب عند الحاجة المواضع التي عهدت فيها الماء والكلاء والطيور تعود من الأماكن البعيدة إلى أوكارها ولولا البناء على إبقاء ما كان على ما كان لم يكن وجه لذلك .
والجواب أن بناء العقلاء إنما يسلم في موضع يحصل لهم الظن بالبقاء لأجل الغلبة فإنهم في أمورهم عاملون بالغلبة سواء وافقت الحالة السابقة أو خالفتها .
ألا ترى أنهم لا يكاتبون من عهدوه في حال لا يغلب فيه السلامة فضلا عن المهالك إلا على سبيل الاحتياط لاحتمال الحياة ولا يرسلون إليه البضائع للتجارة ولا يجعلونه وصيا في الأموال أو قيما على الأطفال ولا يقلدونه في هذا الحال إذا كان من أهل الاستدلال .
وتراهم لو شكوا في بقاء الحكم الشرعي أو نسخه يبنون على البقاء ولو شكوا في رافعية المذي شرعا للطهارة فلا يبنون على عدمها وبالجملة فالذي أظن أنهم غير بانين في الشك في الحكم الشرعي من غير جهة النسخ على الاستصحاب .
نعم الإنصاف أنهم لو شكوا في بقاء حكم شرعي فليس عندهم كالشك في حدوثه في البناء على العدم ولعل هذا من جهة عدم وجدان الدليل بعد الفحص فإنها أمارة على العدم لما علم من بناء الشارع على التبليغ فظن عدم الورود يستلزم الظن بعدم الوجود والكلام في اعتبار
فرائد الاُصول ( طبع انتشارات اسلامي ) — صفحة 582
مساهمون: الشيخ الأنصاري
ص٥٨٢