والمهم في المقام بيان ما ذكره في المقدمة من أن كل ما جعله الشارع من الأسباب لها حقائق واقعية وحقائق ظاهرية فنقول بعد الإغماض عما هو التحقيق عندنا تبعا للمحققين من أن التسبيبات الشرعية راجعة إلى تكاليف شرعية إن الأحكام الوضعية على القول بتأصلها هي الأمور الواقعية المجعولة للشارع نظير الأمور الخارجية الغير المجعولة كحياة زيد وموت عمرو ولكن الطريق إلى تلك المجعولات كغيرها قد يكون هو العلم وقد يكون هو الظن الاجتهادي أو التقليد وكل واحد من الطرق قد يحصل قبل وجود ذي الأثر وقد يحصل معه وقد يحصل بعده ولا فرق بينهما في أنه بعد حصول الطريق يجب ترتيب الأثر على ذي الأثر من حين حصوله .
إذا عرفت ذلك فنقول إذا كان العقد الصادر من الجاهل سببا للزوجية فكل من حصل له إلى سببية هذا العقد طريق عقلي أعني العلم أو جعلي بالظن الاجتهادي أو التقليد يترتب في حقه أحكام تلك الزوجية من غير فرق بين نفس الزوجين وغيرهما فإن أحكام زوجية هند لزيد ليست مختصة بهما فقد يتعلق بثالث حكم مترتب على هذه الزوجية كأحكام المصاهرة وتوريثها منه والإنفاق عليها من ماله وحرمة العقد عليها حال حياته ولا فرق بين حصول هذا الطريق حال العقد أو قبله أو بعده .
ثم إنه إذا اعتقد سببيته وهو في الواقع غير سبب فلا يترتب عليه شيء في الواقع نعم لا يكون مكلفا بالواقع ما دام معتقدا فإذا زال الاعتقاد رجع الأمر إلى الواقع وعمل على مقتضاه .
وبالجملة فحال الأسباب الشرعية حال الأمور الخارجية كحياة زيد وموت عمرو فكما أنه لا فرق بين العلم بموت زيد بعد مضي مدة من موته وبين قيام الطريق الشرعي في وجوب ترتب آثار الموت من حينه فكذلك لا فرق بين حصول العلم بسببية العقد لأثر بعد صدوره وبين الظن الاجتهادي به بعد الصدور فإن مؤدى الظن الاجتهادي الذي يكون حجة له وحكما ظاهريا في حقه هو كون هذا العقد المذكور حين صدوره محدثا لعلاقة الزوجية بين زيد وهند والمفروض أن دليل حجية هذا الظن لا يفيد سوى كونه طريقا إلى الواقع فأي فرق بين صدور العقد ظانا بكونه سببا وبين الظن به بعد صدوره وإذا تأملت في ما ذكرنا عرفت مواقع النظر في كلامه المتقدم فلا نطيل بتفصيلها .
ومحصل ما ذكرنا أن الفعل الصادر من الجاهل باق على حكمه الواقعي التكليفي والوضعي فإذا لحقه العلم أو الظن الاجتهادي أو التقليد كان هذا الطريق كاشفا حقيقيا أو جعليا عن حاله
فرائد الاُصول ( طبع انتشارات اسلامي ) — صفحة 518
مساهمون: الشيخ الأنصاري
ص٥١٨