المخالفة وقت المخالفة لا قبلها لعدم تحقق معصيته ففيه أنه لا وجه لترقب حضور زمان المخالفة لصيرورة الفعل مستحيل الوقوع لأجل ترك المقدمة مضافا إلى شهادة العقلاء قاطبة بحسن مؤاخذة من رمى سهما لا يصيب زيدا ولا يقتله إلا بعد مدة مديدة بمجرد الرمي وإن أرادوا استحقاق العقاب في زمان ترك المعرفة على ما يحصل بعد من المخالفة فهو حسن لا محيص عنه هذا .
ولكن بعض كلماتهم ظاهرة في الوجه الأول وهو توجه النهي إلى الجاهل حين عدم التفاته فإنهم يحكمون بفساد الصلاة في المغصوب جاهلا بالحكم لأن الجاهل كالعامد وأن التحريم لا يتوقف على العلم به ولولا توجه النهي إليه حين المخالفة لم يكن وجه للبطلان بل كان كناسي الغصبية .
والاعتذار عن ذلك بأنه يكفي في البطلان اجتماع الصلاة المأمور بها مع ما هو مبغوض في الواقع ومعاقب عليه ولو لم يكن منهيا عنه بالفعل مضافا إلى عدم صحته في نفسه بأنهم صرحوا بصحة صلاة من توسط أرضا مغصوبة في حال الخروج عنها لعدم النهي عنه وإن كان آثما بالخروج .
إلا أن يفرق بين المتوسط للأرض المغصوبة وبين الغافل بتحقق المبغوضية في الغافل وإمكان تعلق الكراهة الواقعية بالفعل المغفول عن حرمته مع بقاء الحكم الواقعي بالنسبة إليه لبقاء الاختيار فيه وعدم ترخيص الشارع للفعل في مرحلة الظاهر بخلاف المتوسط فإنه يقبح منه تعلق الكراهة الواقعية بالخروج كالطلب الفعلي لتركه لعدم التمكن من ترك الغصب .
ومما ذكرنا من عدم الترخيص يظهر الفرق بين جاهل الحكم وجاهل الموضوع المحكوم بصحة عبادته مع الغصب وإن فرض فيه الحرمة الواقعية .
نعم يبقى الإشكال في ناسي الحكم خصوصا المقصر وللتأمل في حكم عبادته مجال بل تأمل بعضهم في ناسي الموضوع لعدم ترخيص الشرعي من جهة الغفلة فافهم .
ومما يؤيد إرادة المشهور للوجه الأول دون الأخير أنه يلزم حينئذ عدم العقاب في التكاليف الموقتة التي لا تتنجز على المكلف إلا بعد دخول أوقاتها فإذا فرض غفلة المكلف عند الاستطاعة عن تكليف الحج والمفروض أن لا تكليف قبلها فلا سبب هنا لاستحقاق العقاب رأسا أما حين الالتفات إلى امتثال تكليف الحج فلعدم التكليف به لفقد الاستطاعة وأما بعد الاستطاعة فلفقد الالتفات وحصول الغفلة وكذلك الصلاة والصيام بالنسبة إلى أوقاتها .
ومن هنا قد يلجأ إلى ما لا يأباه كلام صاحب المدارك ومن تبعه من أن العلم واجب نفسي
فرائد الاُصول ( طبع انتشارات اسلامي ) — صفحة 514
مساهمون: الشيخ الأنصاري
ص٥١٤