[ 94 ] غرر في ذكر الأقوال في حقيقة الجسم الطبيعي [ 1 ] [ 2 ]
شرح
[ 1 ] الأسفار ، ج 5 ، ص 16 فصل 1 ، ط 3 بيروت . ( م . ط )
[ 2 ] قد اختلفوا في حقيقة الجسم الطبيعي على أقوال ، والمشاء على أنه جوهر مركب من جوهرين أحدهما الهيولى والثاني الصورة الجسميّة ، وهو مختار المصنف وينطق في الكتاب على هذا المذهب .
وستأتي الإشارة إلى نقل طائفة من تلك الأقوال في حقيقة الجسم الطبيعي في أثناء المباحث الآتية .
والجسم الطبيعي هو ما نراه ونمسّه في عالمنا هذا من الحجر والشجر والمدر والثلج والجليد والنار والأرض والهواء والمياه والأجرام العلوية من الكواكب والشمس والقمر ونحوها ، وإن كنا لا نرى ولا نحسّ أولا إلا سطوح الأجسام وأعراضها وأحوالها وأوصافها ، ولكننا بعد ذلك ندرك البعد الجوهري بين تلك السطوح مثلا وكذلك من إدراك تلك الأحوال والأوصاف والأعراض ندرك البعد الجوهري الذي بين السطوح .
وإنما قيد الجسم بالطبيعي احترازا عن الجسم التعليمي فإنّ الجسم يطلق بالاشتراك اللفظي - أي الاسمي - على معنيين أحدهما ما يسمى جسما طبيعيّا وقد تقدمت الإشارة إلى تعريفه من أنه جوهر يمكن أن يفرض فيه أبعاد ثلاثة متقاطعة على زوايا قائمة ، وثانيهما الجسم التعليمي وهو الكم المتصل الساري في الجسم الطبيعي والقائم به .
ولك أن تخيل الطول والعرض والعمق جميعا من غير نظر إلى الموضوع حتى يحصل لك الجسم التعليمي . فالجسم التعليمي هو نفس الأبعاد من غير التفات إلى شيء من المواد وأحوالها .
وإنما سمي هذا القسم تعليميا لكونه مبحوثا عنه في العلم التعليمي أعني الرياضي . وفي وصف الجسم بالتعليمي دون الرياضي إشارة إلى تعبير القدماء بذلك واهتمامهم في ابتداء التعليم بالرياضيّات وكانوا يعبّرون عن الكتب الرياضية بكتب التعاليم ، وذلك لأن العلوم الرياضية سيما الهندسة منها نعم العون على تعديل الفكر وتقويمه عن الاعوجاج والانحراف ، وقد أفاد ابن خلدون في ذلك في مقدمة تاريخه بقوله المتين القويم :
« اعلم أن الهندسة تفيد صاحبها إضاءة في عقله واستقامة في فكره لأنّ براهينها كلّها بيّنة الانتظام جلية الترتيب لا يكاد الغلط يدخل أقيستها لترتيبها وانتظامها ، فيبعد الفكر بممارستها عن الخطأ ، وينشأ لصاحبها عقل على ذلك المهيع . وقد زعموا أنه كان مكتوبا على باب أفلاطون من لم يكن مهندسا