المقصد الرابع في الطّبيعيات [ 1 ] وفيه فرائد
شرح
[ 1 ] ابتدأ المعلّم الأول في تعليمه - أي في كتابه المسمى ب « التعليم » - بالطبيعيات ، وكذلك قدّم الشيخ الرئيس في الشفاء والإشارات البحث عن الطبيعيات على الإلهيات . ولا يخفى عليك أن الإلهيات لكونها عللا للطبيعيات أقدم في الوجود بالقياس إلى نفس الأمر ، وتقديم الطبيعيات كان نظرا إلى تسليك المتعلّم من محسوساته المأنوسة إلى ما فوقها من المغيبات ، كما قيل في المثل السائر : « إن الإيناس قبل الإبساس » ، وأنت تعلم أن دأب التعليم هو التدرّج من المحسوسات إلى المعقولات ، ومن الأسهل الأقرب إلى الأصعب الأبعد ، ولكن المصنف قدّم الإلهي على الطبيعي ليوافق الوضع الطبع كما سيصرح به بعد أسطر بقوله : « ونحن وإن قدمنا الإلهي ليوافق الوضع الطبع . . . » وقد اقتفى صدر المتألهين في ذلك ، وكأن في لفظة « نحن » إيماء إلى ذلك الاقتفاء .
ثم إنّ الشيخ جعل البحث عن النفس بين الطبيعيات المحضة وبين ما وراءها نظرا إلى أن النفس جسر ممدود بين الدنيا والآخرة من حيث إنها جوهر روحاني له تعلق بالبدن الطبيعي وعالم الشهادة ، والإنسان من شأن الدنيا والآخرة ، فمن عرف النفس حق المعرفة فقد عرف النشأتين . ولا يخفى عليك حسن صنيعة الشيخ ومن حذا حذوه في ذلك .
وقد أجاد الحكيم الرباني أنباذقلس في ذلك - كما نقله عنه الشهرزوري في نزهة الأرواح - حيث قال : « إن من رام أن يعرف الأشياء من العلو - أعني من الجوهر الأول - عسر عليه إدراكها ، ومن طلبها من أسفل عسر عليه إدراك العلم الأعلى لانتقاله من جوهر كثيف إلى جوهر في غاية اللطف ، ومن طلبها من المتوسط - وعرف المتوسط كنه المعرفة - أدرك به علم الطرفين وسهل عليه الطلب » ( نزهة الأرواح - ط حيدرآباد الدكن - ج 1 - ص 53 . ) . وأراد بالمتوسط معرفة النفس الإنسانية .
تبصرة : قد تقدم كلامنا آنفا من أن المصنف قد اقتفى صدر المتألهين في تقديم الإلهي على الطبيعي ليوافق الوضع الطبع ، فليعلم أن مجلدات الأسفار كلها في الإلهيات ، وما هو دائر في ألسنة الأحداث من أن المجلد الثاني من الأسفار في الطبيعيات فهو هزل لا حقيقة له ، وكذلك ما جاء في أول الجواهر والأعراض منه من جملة « المرحلة في علم الطبيعي » فهو حشو لا حقيقة له كما حققناه في تعليقاتنا على الأسفار ( ج 1 - ص 19 ) ، وفي أول الجواهر والأعراض منه . وحيث إن صاحب الأسفار قدّم العلم الكلي أي الفنّ الأعلى على الجواهر والأعراض تفوّهنا بأن المصنف اقتفى صاحب الأسفار في ذلك ، فافهم وتبصّر . ( ح . ح )