تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الدماميني على مغني اللبيب — صفحة 492

مساهمون:

ص٤٩٢
يتأخّر عن المبتدأ ، ثم ظهر لنا أنه يحتمل تقديره مقدّما لمعارضة أصل آخر ، وهو أنه عامل في الظرف ، وأصل العامل أن يتقدّم على المعمول ، اللهمّ إلا أن يقدّر المتعلق فعلا فيجب التأخير ، لأن الخبر الفعليّ لا يتقدّم على المبتدأ في مثل هذا . وإذا قلت : « إنّ خلفك زيدا » وجب تأخير المتعلق ، فعلا كان أو اسما ، لأن مرفوع « إنّ » لا يسبق منصوبها ؛ وإذا قلت : « كان خلفك زيد » جاز الوجهان ، ولو قدّرته فعلا ، لأن خبر « كان » يتقدّم مع كونه فعلا على الصحيح ، إذ لا تلتبس الجملة الاسمية بالفعلية . والثاني نحو متعلق باء البسملة الشريفة ، فإن الزمخشريّ قدّره مؤخّرا عنها ، لأن قريشا كانت تقول ، باسم اللات والعزّى نفعل كذا ، فيؤخّرون أفعالهم عن ذكر ما اتّخذوه معبودا لهم تفخيما لشأنه بالتّقديم ، فوجب على الموحّد أن يعتقد ذلك في اسم اللّه تعالى ، فإنّه الحقيق بذلك ، ثم اعترض ب
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
[ العلق : 1 - 3 ] ، وأجاب بأنها أول سورةأنزلت ، فكان تقديم الأمر بالقراءة فيها أهمّ ؛ وأجاب عنه السكاكي بتقديرها متعلّقة ب « اقرأ » الثاني . واعترضه بعض العصريّين باستلزامه الفصل بين المؤكّد وتأكيده بمعمول المؤكّد . وهذا سهو منه ، إذ لا توكيد هنا ، بل أمر أولا بإيجاد القراءة ، وثانيا بقراءة مقيّدة ، ونظيره :
الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ
[ العلق : 1 - 2 ] ومثل هذا لا يسمّيه أحد توكيدا . ثم هذا الإشكال لازم له على قوله إنّ الباء متعلّقة ب « اقرأ » الأول لأنّ تقييد الثاني إذا منع من كونه توكيدا فكذا تقييد الأول ؛ ثم لو سلم ففصل الموصوف من صفته بمعمول الصّفة جائز باتّفاق ، ك « مررت برجل عمرا ضارب » ؛ فكذا في التوكيد ، وقد جاء الفصل بين المؤكّد والمؤكّد في
وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ
[ الأحزاب : 51 ] مع أنّهما مفردان ، والجمل أحمل للفصل ، وقال الراجز :
798 - [ يا ليتني كنت صبيّا مرضعا ، * تحملني الذلفاء حولا أكتعا « 1 » 799 - إذا بكيت قبّلتني أربعا ] * ، إذا ظللت الدّهر أبكي أجمعا « 2 »
تنبيه - ذكروا أنه إذا اعترض شرط على آخر نحو : « إن أكلت إن شربت فأنت طالق » ، فإن الجواب المذكور للسّابق منهما ، وجواب الثاني محذوف مدلول عليه بالشرط الأوّل وجوابه ، كما قالوا في الجواب المتأخر عن الشّرط والقسم ؛ ولهذا قال محقّقو
هامش
( 1 ) البيت من الرجز ، وهو بلا نسبة في الدرر 6 / 35 ، وخزانة الأدب 5 / 169 ، ولسان العرب مادة ( كتع ) . ( 2 ) البيت من الرجز ، وهو لأعرابي في خزانة الأدب 5 / 168 ، وبلا نسبة في الدرر 6 / 36 ، وتاج العروس مادة ( كتع ) .