السير محقق ، وإنما الشكّ في عين الفاعل وفي عين الزمان ، وأجاز الأخفش الرفع بعد النفي على أن يكون أصل الكلام إيجابا ثم أدخلت أداة النفي على الكلام بأسره ، لا على ما قبل « حتى » خاصة ، ولو عرضت هذه المسألة بهذا المعنى على سيبويه لم يمنع الرفع فيها ، وإنما منعه إذا كان النفي مسلّطا على السّبب خاصة ، وكل أحد يمنع ذلك ؛ والثالث أن يكون فضلة ، فلا يصح في نحو : « سيري حتى أدخلها » لئلا يبقى المبتدأ بلا خبر ، ولا في نحو : « كان سيري حتّى أدخلها » إن قدّرت « كان » ناقصة ، فإن قدّرتها تامّة أو قلت : « سيري أمس حتى أدخلها » جاز الرفع ، إلا إن علّقت « أمس » بنفس السير ، لا باستقرار محذوف .
شرح
السير محقق ) محكوم بحصوله غير مستفهم عنه ، ( وإنما الشك في عين الفاعل ) للسير في الصورة الأولى وهي قولك : أيهم سار حتى يدخلها ، ( أو في عين الزمان ) الذي وقع فيه السير في الصورة الثانية وهي قولك : متى سرت حتى تدخلها ، ( وأجاز الأخفش الرفع بعد النفي على أن يكون أصل الكلام إيجابا ، ثم أدخلت أداة النفي على الكلام بأسره لا على ما قبل حتى خاصة ) ، لكن الأخفش معترف بأن العرب لم تتكلم بذلك على ما نقله الرضي ، فكأنه إنما أجاز بالقياس لا بالسماع ، ( ولو عرضت هذه المسألة بهذا المعنى على سيبويه لم يمنع الرفع فيها ، وإنما منعه إذا كان النفي مسلطا على السبب خاصة ، وكل أحد يمنع ذلك ) ، ويظهر لي إجراء هذا في الاستفهام أيضا بأن يقدر أصل الكلام خاليا عن الاستفهام ، ثم أدخلت أداته على الكلام بأسره لا على ما قبل حتى خاصة ، كأن يقول شخص لآخر : سرت حتى تدخل البلد ، فتشك أنت في صدق المخبر ، فتقول لذلك المخاطب : هل سرت حتى تدخلها أي : هل ما أخبرك به هذا الشخص صحيح ؟
( والثالث ) من شروط رفع الفعل بعد حتى ( أن يكون فضلة ) لا عمدة ( فلا يصح ) الرفع ( في نحو سيري حتى أدخلها ؛ لئلا يبقى المبتدأ بلا خبر ) وذلك ؛ لأنك إذا رفعت الفعل كانت حتى حرف ابتداء ، والجملة الواقعة بعدها مستأنفة فيلزم خلو المبتدأ عن الخبر ، ولقائل أن يقول : إن عنوا أن المبتدأ يبقى بلا خبر لفظا وتقديرا فممنوع ؛ إذ يمكن جعل الخبر مقدرا أي : سيري حاصل ، وإن عنوا بقاءه بلا خبر لفظا فمسلم ، ولا يضر ، وما أظنهم يمنعون المسألة إلا عند تقدير الخبر ، ( ولا في نحو : كان سيري حتى أدخلها ، إن قدرت كان ناقصة ) ؛ لأن الناقصة تقتضي خبرا ومع رفع الفعل تكون الجملة مستأنفة كما مر ، فتبقى كان الناقصة بغير خبر لفظا وتقديره يفسد معناها ، ( فإن قدرتها تامة ، أو قلت : سيري أمس حتى أدخلها جاز الرفع ) ، لأن التامة لا خبر لها وأمس خبر السير فارتفع المانع وهو بقاء الناقصة ، والمبتدأ بلا خبر ( إلا إن علقت أمس بنفس السير لا باستقرار محذوف ) فالمنع باق ؛ لبقاء سببه وهو بقاء المبتدأ بلا خبر وفيه ما مر .