فمقتضى هذا الوجه أن « إذ » مبتدأ ، ولا نعلم بذلك قائلا ، ثم تنظيره بالمثال غير مناسب ، لأن الكلام في « إذ » لا في « إذا » ، وكان حقه أن يقول : « إذ كان » ، لأنهم يقدرون في هذا المثال ونحوه « إذ » تارة و « إذا » أخرى ، بحسب المعنى المراد ؛ ثم ظاهره أن المثال يتكلّم به هكذا . والمشهور أن حذف الخبر في ذلك واجب ، وكذلك المشهور أن « إذا » المقدّرة في المثال في موضع نصب ، ولكن جوّز عبد القاهر كونها في موضع رفع ، تمسّكا بقول بعضهم :
شرح
الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا، وفيه وجهان أن يراد لقد من اللّه المؤمنين منه أو بعثه إذ بعث فيهم ، فحذف لقيام الدلالة ، أو تكون إذ في محل الرفع كإذا في قولك : أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائما ، بمعنى : لقد من اللّه على المؤمنين وقت بعثه ، هذه عبارته بحروفها ، وعلى الثاني فلا حذف وإنما الحذف على الأول ، وهو جعل إذ ظرفية فحذف المبتدأ ، وهو منه أو بعثه والظرف متعلق به وقد من اللّه خبره ، والدال على المحذوف هو الخبر إن قدر منه والظرف إن قدر بعثه ، واعترض المصنف الوجه الثاني بقوله : ( فمقتضى هذا التوجيه أن إذ مبتدأ ولا نعلم بذلك قائلا ) ، وأقول : إذا كان الجمهور يجوّزون خروجها عن الظرفية عند إضافتها ، وغيرهم عند الإتيان بها مفعولا به ، أو بدلا منه صدق حينئذ أنها ظرف متصرف ، فلا يمتنع جعلها مبتدأ ولا يحتاج فيه إلى سماع خاص من العرب ، ( ثم تنظيره بالمثال ) ، وهو قولك : أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائما ( غير مناسب ؛ لأن الكلام في إذ لا في إذا وكان حقه ) بالنصب على أنه خبر كان نحو :ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا[ الجاثية : 25 ] ، واسم كان هو قوله : ( أن يقول : إذ كان ؛ لأنهم يقدرون في هذا المثال ، ونحوه إذ تارة وإذا أخرى بحسب المعنى المراد ) ولكنه عدل عن ذلك ؛ ليفيد أن كلا من إذ وإذا يستعمل اسما غير ظرف ( ثم ظاهره أن المثال يتكلم به كذا ) على الصورة التي تلفظ بها ، وهي أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائما ، ( والمشهور أن حذف الخبر في ذلك واجب ) فإنما يقال : أخطب ما يكون الأمير قائما ، ويظهر لي أن في كلام الزمخشري إشارة إلى أن العرب لا تنطق به هكذا ، أو ذلك ؛ لأنه قال : في قولك ولم يقل في قولهم ، فأشار إلى أن هذا هو التقدير الذي ينطق به عند إرادة التفسير ، أي : في قولك عند القصد إلى إبراز ما يقدر في هذا المثال ، وقد يشعر قول المصنف والمشهور بأن ثم قولا غير مشهور بأن حذف هذا الخبر جائز لا واجب ، والظاهر أن وجوب الحذف في مثله عار عن الخلاف ، اللهم إلا أن يكون مراده بالمشهور ما اشتهر من استعمال العرب ، وعرف من كلامهم لا المشهور الذي يشير به المصنفون إلى وجود قول آخر غير مشهور ، ( وكذلك المشهور أن إذا المقدرة في المثال في موضع نصب ، ولكن جوّز عبد القاهر ) الجرجاني ( كونها في موضع رفع تمسكا بقول بعضهم )