108 - أرى الدّهر إلا منجنونا بأهله * وما صاحب الحاجات إلّا معذّبا
وإنمّا المحفوظ « وما الدهر » ثم إن صحّت روايته فتخرّج على أن « أرى » جواب لقسم مقدّر ، وحذفت « لا » كحذفها في
تَاللَّهِ تَفْتَؤُا
[ يوسف : 85 ] ، ودلّ على ذلك الاستثناء المفرّغ . وأمّا بيت ذي الرمة فقيل : غلط منه ، وقيل : من الرواة ، وإن الرواية « آلا » بالتنوين ، أي شخصا ، وقيل : « تنفكّ » تامّة بمعنى : ما تنفصل عن التعب ، أو ما تخلص منه ، فنفيها نفي ، ومناخة : حال . وقال جماعة كثيرة : هي ناقصة والخبر « على الخسف » و « مناخة » حال ، وهذا فاسد ، لبقاء الإشكال ، إذ لا يقال : « جاء زيد إلّا باكيا » .
شرح
أرى الدهر إلا منجنونا بأهله ) * وما صاحب الحاجات إلا معذبا « 1 »أي أرى الدهر منجنونا أي مثل الدولاب الذي يدور بما عليه فتارة يجعل السافل عاليا ، وتارة يعكس فيرد العالي سافلا ، ولا استقامة لهذا المعنى إلا بالزيادة فيحمل البيت عليها .
( وإنما المحفوظ وما الدهر ) ومثل هذا لا ترد به رواية ابن مالك فهو عدل ثقة حافظ . ( ثم إن ثبتت روايته فيتخرج على أن أرى جواب لقسم مقدر ، وحذفت لا كحذفها في تاللّه تفتؤ ) ، وإنما قدر القسم ليكون حذف لا جاريا على القياس ( ودل على ذلك ) النافي المحذوف ( الاستثناء المفرغ ) فإنه إنما يكون في النفي لا في الإيجاب ( وأما بيت ذي الرمة ) والرمة بالضم قطعة من حبل وتكسر وبه سمي ذي الرمة كذا في القاموس ، ( فقيل غلط منه ) وليس بسديد ؛ لأنه من فصحاء العرب وإن كان بعضهم غمزه بمخالطة البقالين يريد الزياتين الذين هم من الحاضرة ، وفتح هذا الباب يطرق إلى القدح في كل ما يتمسك به من كلام العرب .
( وقيل : ) غلط ( من الرواة وإن الرواية إلا بالتنوين ) على أنه اسم لا حرف ( أي شخصا ) وهذا أيضا ليس بجيد إذ لا تقدح رواية في أخرى ، ( وقيل : تنفك تامة بمعنى ما تنفصل عن التعب ، أو ما تخلص منه فنفيها نفي ) باق على حاله لا إيجاب معه ، وليس كالنفي الداخل على تنفك الناقصة فإنه يفيد الإيجاب الدائم ، من حيث إن معنى الناقصة نفي ، والنفي إذا دخل على النفي اقتضى الإثبات المستمر ( ومناخة حال ) وهذا وجه حسن لا غبار عليه ولا كلفة فيه ، ( وقال جماعة كثيرة : هي ناقصة والخبر على الخسف ومناخة حال ) من الضمير المستكن في الخبر قدمت عليه ، ( وهذا فاسد لبقاء الإشكال ) وهو ارتكاب التفريغ في الإيجاب ( إذ لا يقال : جاء زيد إلا راكبا ) لما يلزم عليه من ارتكاب المحذور والمذكور ، وقد يقال عليه : إن ابن الحاجب ذكر أن الاستثناء المفرغ يقع في الإيجاب بشرطين :
هامش
( 1 ) البيت من البحر الطويل ، وهو بلا نسبة في أوضح المسالك 1 / 276 ، وتخليص الشواهد ص 271 .