وأن الإنسان محلّ النسيان ، وأن الحسنات يذهبن السيّئات [ من الطويل ] :
1 - ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلّها * كفى المرء نبلا أن تعدّ معايبه
شرح
معطوف عليه والأخير معطوف على الثاني أو الأول على الخلاف الذي سبق ذكره ، وفيه تلميح بالإشارة إلى أمثال للعرب مشهورة ، والجواد الفرس الجيد كبا يكبو سقط يسقط ، والصارم السيف القاطع ، ونبا ينبو ، إذا لم يعمل في الضريبة ، والنار مشتقة من نار ينور إذا نفر ، لأن فيها حركة ، واضطرابا ، وخبت النار تخبو إذا طفئت ، يعني : أنه إذا استحضر أن هذه الأمور مع رفعة مقدارها لا يحطها ما قد تتصف به مما لا يناسب مقامها اغتفر للمصنف ما قد يقع منه من هفوة .
( وأن الإنسان محل النسيان وأن الحسنات يذهبن السيئات ) كلّ من هذين معطوف على ما يليه ، أو على الأول كما سبق ، والمعنى : أن يحضر قلبه أن الإنسان محل النسيان ، فلا يؤاخذ بما صدر عنه ناسيا له ، وقد روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه : « إنما سمي إنسانا لأنه عهد إليه فنسي » « 1 » ، وعلى هذا فليس وزنه فعلان ، بل هو أفعلان ، والأصل إنسيان فحذفت الياء تخفيفا لكثرة دوره على الألسنة وردوها في التصغير فقالوا أنيسيان ، لأنه لا يكثر حينئذ ، ولأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها ، واستحضار أن الحسنات يذهبن السيئات مما يبعث على اغتفار ما يقع للمصنف في هذا الكتاب ، فإن محاسنه فيه غالبة ، وفيه تلميح إلى الآية .ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها * كفى المرء نبلا أن تعد معايبه « 2 »هذا البيت أنشده ابن سعيد الأندلسي في كتابه المسمى « بملوك الشعر » ، منسوب إلى يزيد بن خالد المهلبي من شعراء المائة الثانية .
والمرء : يحتمل أن يضبط بالنصب مفعول كفى ، وأن تعد معايبه في محل رفع على أنه فاعل ، ويحتمل أن يضبط بالرفع ، وأن تعد معايبه بدل اشتمال ، ونبلا بنون مضمومة فموحدة ساكنة ، أي : فضلا ، وقد يوجد في بعض النسخ بهذا اللفظ بدل نبلا ، وفي القاموس : النبل الذكاء والنجابة ، وانتصاب نبلا أو فضلا على التمييز عن النسبة ، فالمعنى على الأول أجزأ المرء فضل عد معايبه ، أي الفضل الذي هو عد معايبه جعل ذلك فضلا من جهة أنه ملزوم لكثرة
هامش
( 1 ) ذكره الإمام القرطبي في تفسيره 11 / 251 ، وابن جرير في تفسيره 14 / 27 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 7 / 67 ، والطبراني في الصغير 2 / 140 .
( 2 ) البيت من البحر الطويل ، وهو ليزيد المهلبي في تاج العروس 10 / 510 ( حبر ) ، وخزانة الأدب للحموي 1 / 456 .