دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — Page 73
إلا أنّها ( 1 ) لمّا كانت كالأصل ( 2 ) للمجاز إذ الاستعمال في غير ما وضع له فرع الاستعمال فيما وضع له جرت العادة بالبحث عن الحقيقة أوّلا ( 3 ) [ وقد يقيّدان ( 4 ) باللّغويين ( 5 ) ] ليتميّزا عن الحقيقة والمجاز العقليّين اللذّين هما في الإسناد والأكثر ترك هذا التّقييد لئلّا يتوهّم أنّه مقابل للشّرعي والعرفي ، و [ الحقيقة ] في الأصل فعيل ( 6 ) - بمعنى فاعل ، من حقّ الشّيء إذا ثبت ، أو بمعنى مفعول من ( 1 ) قوله : « إلّا أنّها . . . » جواب عمّا يقال من أنّ المقصود الأصلي من هذا المبحث بالنّظر إلى علم البيان ، إنّما هو المجاز ، فما هو سبب ذكر الحقيقة معه وتقديمها عليه . وحاصل الجواب إنّ الحقيقة لمّا كانت كالأصل للمجاز ، ذكرها قبل المجاز لتوقّف الفرع على الأصل . ( 2 ) أتى بالكاف ، حيث قال : « كالأصل » ولم يقل هو الأصل للإشارة إلى أنّها ليست أصلا حقيقة للمجاز ، لأنّه ليس لكلّ مجاز حقيقة على ما هو التّحقيق ، كي يتوقّف المجاز على الحقيقة ، ألا ترى أنّ ( رحمن ) استعمل مجازا في المنعم على العموم ولم يستعمل في المعنى الأصلي الحقيقي أعني رقيق القلب ، فلفظ ( رحمن ) مجاز لم يتفرّع على حقيقة . ( 3 ) ظرف للبحث ، أي جرت العادة بالبحث أوّلا عن الحقيقة ، فلذا قدّمها عليه . [ الحقيقة لغة واصطلاحا ] ( 4 ) أي الحقيقة والمجاز قد يقيّدان باللّغويّين فيقال الحقيقة اللّغويّة ، والمجاز اللّغوي . ( 5 ) أي ويراد بكونهما لغويّين ثبوت الحقيقة والمجازيّة لهما باعتبار الدّلالة الوضعيّة ، ليتميّزا بذلك عن الحقيقة والمجاز العقليّين اللذّين ثبتت لهما الحقيقيّة والمجازيّة باعتبار الإسناد الّذي هو أمر عقليّ ، كما تقدّم في صدر الكتاب ، والظّاهر أنّه لا حاجة إلى التّقييد ، لأنّه قد تقدّم الكلام فيهما في أحوال الإسناد الخبري مستوفى ، فلا يعقل دخولهما حتّى يحتاج لتميّزهما إلى التّقييد ، بل الأكثر ، والأولى ترك هذا التّقييد « لئلّا يتوهّم أنّه مقابل للشّرعي والعرفي » أي لئلّا يتوهّم أنّ التّقييد باللّغويين لإخراج الحقيقة والمجاز الشّرعيّين والعرفيّين ولا يصحّ ذلك لأنّ هذا البحث معقود للكلام عليهما أيضا كما سيأتي ، وإنّما قال - يتوهّم - لأنّ المراد باللّغوي ما للّغة فيه مدخل ، وهذا في التّحقيق يشمل الشّرعي والعرفي . ( 6 ) أي وزن فعيل بمعنى فاعل مأخوذ من حقّ الشّيء إذا ثبت ، أو بمعنى مفعول مأخوذ من حقّقت الشّيء إذا أثبتّه ، فعلى الأوّل قاصر ، وعلى الثّاني متعدّي فمعنى الحقيقة على الأوّل الثّابت ، وعلى الثّاني المثبت .