تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عين الحياة — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥
قال : يا أبة إني وإن كنت صبيّا فقد رأيت في نفسي واختلاف حالي أذكر من ذلك ما أذكر ، وأعرف بما لا أذكر منه ما أعرف ، وأنا أعرف أنّي لم أكن على هذا المثال ، وأنّك لم تكن على هذه الحال ، ولا أنت كائن عليها إلى الأبد ، وسيغيّرك الدهر عن حالك هذه . فلئن كنت أردت أن تخفي عنّي أمر الزوال فما خفي عليّ ذلك ، ولئن كنت حبستني عن الخروج وحلت بيني وبين الناس لكيلا تتوق نفسي إلى غير ما أنا فيه لقد تركتني بحصرك إيّاي ، وإن نفسي لقلقة مما تحول بيني وبينه حتى ما لي همّ غيره ، ولا أردت سواه ، حتى لا يطمئنّ قلبي إلى شيء ممّا أنا فيه ولا أنتفع به ولا آلفه ، فخلّ عنّي وأعلمني بما تكره من ذلك وتحذره حتّى أجتنبه ، وأوثر موافقتك ورضاك على ما سواهما . فلمّا سمع الملك ذلك من ابنه علم أنّه قد علم ما الذي يكرهه ، وأنّه من حبسه وحصره لا يزيده الّا اغراء وحرصا على ما يحال بينه وبينه ، فقال : يا بنيّ ما أردت بحصري ايّاك الّا أن انحي عنك الأذى ، فلا ترى الّا ما يوافقك ، ولا تسمع الّا ما يسرّك ، فأمّا إذا كان هواك في غير ذلك فإنّ آثر الأشياء عندي ما رضيت وهويت . ثمّ أمر الملك أصحابه أن يركبوه في أحسن زينة ، وأن ينحوا عن طريقه كلّ منظر قبيح ، وأن يعدّوا له المعازف والملاهي ، ففعلوا ذلك ، فجعل بعد ركبته تلك يكثر الرّكوب ، فمرّ ذات يوم على طريق قد غفلوا عنه ، فأتى على رجلين من السؤال « 1 » ، أحدهما قد تورّم وذهب لحمه ، واصفرّ جلده ، وذهب ماء وجهه ، وسمج منظره ، والآخر أعمى يقوده قائد .
هامش
( 1 ) في بعض النسخ « فأتى عليه رجلان من السؤال » .