ولا من دهاه « 1 » ، ولا يدري ما دواء الملك فيما استنكر عليه ، فسهر لذلك عامّة الليل ، ثمّ ذكر الرجل الذي زعم أنّه يرتق الكلام ، فأرسل إليه فأتي به ، فقال له : انّك كنت ذكرت لي ذكرا من رتق الكلام ، فقال الرجل : أجل فهل احتجت إلى شيء من ذلك ؟
فقال الوزير : نعم أخبرك أنّي صحبت هذا الملك قبل ملكه ومنذ صار ملكا ، فلم أستنكره فيما بيني وبينه قطّ لما يعرفه من نصيحتي وشفقتي وايثاري ايّاه على نفسي وعلى جميع النّاس ، حتّى إذا كان هذا اليوم استنكرته استنكارا شديدا لا أظنّ خيرا عنده بعده .
فقال له الرّاتق : هل لذلك سبب أو علّة ، قال الوزير : نعم دعاني أمس وقال لي كذا وكذا فقلت له كذا وكذا ، فقال : من هاهنا جاء الفتق ، وأنا أرتقه ان شاء اللّه .
اعلم أنّ الملك قد ظنّ أنّك تحبّ أن ينجلي هو عن ملكه وتخلفه أنت فيه ، فإذا كان عند الصّبح فاطرح عنك ثيابك وحليتك وألبس أوضع ما تجده من ذي النساك وأشهره ، ثمّ احلق رأسك وامض على وجهك إلى باب الملك ، فإنّ الملك سيدعو بك ويسألك عن الذي صنعت .
فقل له : هذا الذي دعوتني إليه ولا ينبغي لأحد أن يشير على صاحبه بشيء الّا واساه فيه وصبر عليه ، وما أظنّ الذي دعوتني إليه الّا خيرا مما نحن فيه ، فقم إذا بدا لك ، ففعل الوزير ذلك فتخلّى عن نفس الملك ما كان فيها عليه .
ثمّ أمر الملك بنفي النساك من جميع بلاده وتوعّدهم بالقتل ، فجدّوا في الهرب والاستخفاء ، ثمّ انّ الملك خرج ذات يوم متصيّدا فوقع بصره على
هامش
( 1 ) في بعض النسخ « ما دهاه » .