فلم ير الوزير قوله شيئا ، وأمر بحمله إلى منزله ، وأمر له بما يصلحه حتّى إذ كان بعد ذلك احتال أحبّاء الملك للوزير ، وضربوا له الأمور ظهرا وبطنا ، فأجمع رأيهم على أن دسّوا رجلا منهم إلى الملك ، فقال له : أيّها الملك انّ هذا الوزير يطمع في ملكك أن يغلب عليه عقبك من بعدك ، فهو يصانع النّاس على ذلك ، ويعمل عليه دائبا ، فإن أردت أن تعلم صدق ذلك فأخبره أنّه قد بدا لك أن ترفض الملك وتلحق بالنساك ، فانّك سترى من فرحه بذلك ما تعرف به أمره .
وكان القوم قد عرفوا من الوزير رقّة عند ذكر فناء الدنيا والموت ، ولينا للنساك ، وحبّا لهم ، فعملوا فيه من الوجه الذي ظنّوا أنّهم يظفرون بحاجتهم منه ، فقال الملك : لئن هجمت منه على هذا لم أسأل عمّا سواه .
فلمّا أن دخل عليه الوزير قال له الملك : انّك قد عرفت حرصي على الدنيا وطلب الملك ، وانّي ذكرت ما مضى من ذلك فلم أجد معي منه طائلا ، وقد عرفت أنّ الذي بقي منه كالذي مضى ، فانّه يوشك أن ينقضي ذلك كلّه بأجمعه فلا يصير في يدي منه شيء ، وأنا أريد أن أعمل في حال الآخرة عملا قويّا على قدر ما كان من عملي في الدّنيا ، وقد بدا لي أن الحق بالنساك وأخلي هذا العمل لأهله فما رأيك ؟ قال : فرقّ الوزير لذلك رقّة شديدة حتى عرف الملك ذلك منه ، ثمّ قال :
أيّها الملك انّ الباقي وإن كان عزيزا لأهل أن يطلب ، وانّ الفاني وإن استمكنت منه لأهل أن يرفض ، ونعم الرأي رأيت ، وانّي لأرجو أن يجمع اللّه لك مع الدنيا شرف الآخرة .
قال : فكبر ذلك على الملك ، ووقع منه كلّ موقع ، ولم يبد له شيئا غير أنّ الوزير عرف الثقل في وجهه ، فانصرف إلى أهله كئيبا حزينا لا يدري من أين أتى
عين الحياة — صفحة 471
مساهمون: العلامة المجلسي
ص٤٧١