المؤمنين المتقين قد ذهبوا بعاجل الخير وآجله ، وشركوا أهل الدنيا في دنياهم ، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم ، يقول اللّه عزّ وجلّ :
« قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ »
« 1 » .
سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت ، وأكلوها بأفضل ما أكلت ، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم ، فأكلوا من أفضل ما يأكلون ، وشربوا من أفضل ما يشربون ، ولبسوا من أفضل ما يلبسون ، وسكنوا بأفضل ما يسكنون ، وتزوّجوا بأفضل ما يتزوّجون ، وركبوا من أفضل ما يركبون .
أصابوا لذّة الدنيا مع أهل الدنيا ، وتيقّنوا انّهم غدا من جيران اللّه عزّ وجلّ ، ويتمنّون عليه ما يردّ لهم دعوة ، ولا ينقص لهم لذة ، أما في هذا ما يشتاق إليه من كان له عقل . . . « 2 » .
واعلم أنه قد كثرت الأحاديث في مدح الحلوى والفواكه واللحوم وسائر المأكولات والمشروبات والنعم ، ومدح أيضا قلّة الأكل مدحا بليغا ، ووردت أخبار كثيرة في ذمّ كثرة الأكل لأنها تسبب ثقلا للانسان حتى تفوته العبادة ، وكذلك ذم الاكل على الشبع .
ومن القبيح الحرص عليها وطلبها دائما ، وصرف العمر الشريف لتحصيلها ، وكذلك التقيد بتركها أجمع لا يكون حسنا ، ولا يحسن أيضا ترك الطعام المقوّى للجسم والعقل وسائر القوى ، لأن الجسم في الحقيقة مركب النفس لتحصيل
هامش
( 1 ) الأعراف : 32 .
( 2 ) البحار 33 : 544 ضمن حديث 720 باب 30 - عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد .