تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عين الحياة — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
أوقيّة « 1 » من الذهب ، فكره أن يبيت عنده فتصدّق بها ، فأصبح وليس عنده شيء ، وجاءه من يسأله فلم يكن عنده ما يعطيه ، فلامه السائل ، واغتمّ هو حيث لم يكن عنده ما يعطيه ، وكان رحيما رقيقا ، فأدّب اللّه تعالى نبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأمره ، فقال :
« وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً »
« 2 » . يقول : انّ الناس قد يسألونك ولا يعذرونك ، فإذا أعطيت جميع ما عندك من المال كنت قد حسرت من المال . فهذه أحاديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يصدّقها الكتاب ، والكتاب يصدّقه أهله من المؤمنين . وقال أبو بكر عند موته حيث قيل له : أوص ، فقال : أوصي بالخمس ، والخمس كثير فإنّ اللّه تعالى قد رضي بالخمس ، فأوصى بالخمس وقد جعل اللّه عزّ وجلّ له الثلث عند موته ، ولو علم أنّ الثلث خير له أوصى به . ثمّ من قد علمتم بعده في فضله وزهده ، سلمان ، وأبو ذرّ رضي اللّه عنهما فأمّا سلمان فكان إذا أخذ عطاه رفع منه قوته لسنته حتى يحضر عطاؤه من قابل ، فقيل له : يا أبا عبد اللّه أنت في زهدك تصنع هذا وأنت لا تدري لعلّك تموت اليوم أو غدا ، فكان جوابه أن قال : ما لكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم عليّ الفناء ، أما علمتم يا جهلة أنّ النفس قد تلتاث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما يعتمد عليه ، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنّت .
هامش
( 1 ) الأوقية سبعة مثاقيل - وهي بالضم والسكون وكسر القاف وفتح الياء المشددة ثم الهاء - . ( 2 ) الاسراء : 31 . وهي تمثيل لمنع الشحيح واعطاء المسرف وأمر بالاقتصاد الذي هو بين الاسراف والتقتير . « فتقعد » أي فتصير ملوما غير مرضى عند اللّه إذا خرجت عن القوام وعند الناس إذ يقول المحتاج : أعطى فلانا وحرمني ، ويقول المستغنى : ما يحسن تدبير أمر المعيشة ، وعند نفسك إذا احتجت فندمت على ما فعلت محسورا نادما أو منقطعا بك لا شيء عندك .