وحتى بديها أيضا . . ولكنه بعد التأمل والتدقيق ، وملاحظة مدى ارتباطه بغيره يعلم : أنه ليس بتلك السهولة ، ولا هو بذلك الوضوح .
بين اختيارات الرضي . . . واختيارات غيره :
ولعل أول من صنف في كلام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام هو أصحابه الميامين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، مثل زيد بن وهب الحبهني ، الذي أدرك الجاهلية والإسلام ، الذي له كتاب خطب أمير المؤمنين عليه السلام على المنابر في الجمعة والأعياد وغيرها ، كما أن لعبد الله بن الحر الجعفي كتابا عن علي عليه السلام 2 ، ومنهم أيضا الحارث الأعور الهمداني رحمه الله ، فقد روى الكليني والصدوق : أن أمير المؤمنين عليه السلام خطب مرة خطية بليغة ، فقال أبو إسحاق السبعي للحارث الأعور : " أوما حفظتها قال : قد كتبتها ، فأملاها علينا الحارث من كتابه " 3 .
وغير هؤلاء ممن جاء بعدهم كثيرون جدا ، كما يعلم من مراجعة كتاب مصادر نهج البلاغة ( ج - 1 ) ، و " ياد نامهء كنگرهء هزارهء نهج البلاغة " مقال العطاردي ( فارسي ) ، وغير ذلك . . .
وإنه وإن كان الكثيرون قد سبقوا الشريف الرضي ( رض ) إلى جمع كلام أمير المؤمنين عليه السلام وخطبة ومواعظة ، إلا أن أفضل ما وصل إلينا فيها ، وأكثرها نفعا وإتفانأ وأعظمها بركة كان كتاب الرضي ( رض ) هذا .
ولعل امتيار هذا الكتاب يكمن في أنه عدا عن أنه من كلام أمير المؤمنين عليه السلام وحسبه ذلك عظمة وسموا وخلود قد اختاره الشريف الرضي على أنه يمتاز - بنظره - بصفة كونه في ارقى درجات الفصاحة والبلاغة ، وحسن إليك ، وجمال الأداء ، كونه جامعا تختلف ضروب الحكمة ، وسائر فنون الكلم ، وكافة روائح الأدب ، هذا عدا من أن جامعه هو علم من الأعلام ، وغرة زاهرة في جبين الأيام ، معروف بالعلم والأدب والفضيلة ، مع كرم وإياه ، وسناء ، ووفاء وإخاء
شروح نهج البلاغة :
ولقد أدرك العلماء والباحثون - نسيا - مكانة وأهمية نهج البلاغة ، فشعروا عن سواعد الجد ، للكشف عن مراميه ، وشرح معانيه ، وقد ظهر له من الشروح حتى الآن ما بعد بالعشرات . . وقد بدأ ذلك من عصر الرضي نفسه ، حيث كتب معاصره السيد علي بن ناصر ، شرحا لهذا الكتاب ، وشرحه أيضا القاضي عبد الجبار والوبري وهما من أعلام القرن الخامس ثم توالت الشروح له ، وتتابعت ، فشرحه البيهقي الشهير بفريد خراسان ، والراوندي والكيدري والفخر الرازي ، وابن أبي طيبي ، وابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي ، وابن طاووس ، وابن الساعي ، وابن ميثم البحراني ، والصغاني العمري الحنفي 4 وغيرهم كثيرون . .
إلا أن ملاحظة ما انتهى إلينا من هذه الشروح ، يعطي : أنهم عموما يعتمدون طريقة التفسير التجريشي . وإن كان بعضهم يكتفي بشرح كلماته لغويا ، وآخر يهتم بإبراز الجانب التاريخي أكثر من سائر الجوانب ، كما هو الحال بالنسبة لابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي ، وثالث : يطفي على شرحه طابع خاص فرضته عليه طبيعة تكوينه الثقافي والفكري ، كالناحيه الفلسفة - كابن ميثم - .
أما التستري ، فيقول عنه نفسه : " فرأيت أن أكتب بعون الله تعالى شرحا جامعا فيه من التاريخ ، والأدب والأخبار القوية ، والأخبار التي تكون حجة بقدر الحاجة الخ " 5 إلى غير ذلك من نواح فكرية
و
الهادي إلى موضوعات نهج البلاغة — صفحة 7
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص٧