هذا الكتاب وأثاروا الشبهات حوله ، سعيا في إبطال آثار أمير المؤمنين عليه السلام ، والتعتيم على مناقبه الجليلة ، وآثار الفريدة والنبيلة .
هذا . . . عدا عن أنهم أرادوا التمويه والتشويه في حقيقة موقفه صلوات الله وسلامه عليه من كثي من القضايا ، التي صرح في نهج البلاغة وفي غيره مما يخالف هوى نفوسهم فيها ، وبما ينافي ما يعتقدونه ، أوما بنوا عليه أفكارهم وعقائدهم ، ولا سيما فيما يتعلق بموقفه من الخلفاء الذين تسلموا أزمة الأمور قبله ، وبالأخص ما جاء في الخطبة الموسومة بالشقشقية التي ربما يكون فيها شيء من القسوة والمرارة ، الأمر الذي دعا هم لأن ينكروا هذا الكتاب وغيره من مواقفه وآثاره عليه السلام من الأساس ، ظنا منهم : أن ذلك سوف ينهي يشكل أو بآخر أمر ذلك الذي رأوا فيه مصدرا لمتاعبهم ، ومناقضة لأفكارهم وعقائدهم ، أوفقل : هكذا خيل لهم .
وقد يكون الكثيرون منهم إنما يفعلون ذلك بحسن نية ، وسلامة طوية ، وذلك لأن اعتقادهم بأنه عليه السلام يذهب إلى نفس رأيهم في الخلافة والإمامة بعد رسول الله ( ص ) ، وفيمن تصدى لها قبله ، وفي غير ذلك من أمور - إن اعتقادهم بذلك - قد جعلهم يقتنعون - ومن دون أي تبين أو تحقيق - بافتئات ذلك عليه ، وعدم صحة نسبته إليه عليه السلام .
ولا تريد أن نفيض في الرد على هؤلاء وأولئك ولا أن نسهب القول في إثبات صحة نسبة ما في نهج البلاغة إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، فقد كفانا العلماء الأبرار ، والمحققون المنصفون الأخيار مؤنة ذلك ، حيث قد أثبتوا بالأدلة القاطعة ، والبراهين الساطعة : أن النهج لا يمكن أن يكون من إنشاء الرضي ، ولا من إنشاء غيره عدا أمير المؤمنين عليه السلام ، وأثبتوا أن مضامينه ونصوصه موجودة في عشرات بل في مئات المصدار التي ألفت قبل عهد الشريف ارضي بزمان أو ألفت بعده . . . لكنها لم تعتمد على كتاب الرضي فيما أوردته من نصوص ، إلى غير ذلك من الدلائل والشواهد القاطعة فيما يرتبط بذلك .
وأما ظلم علي عليه السلام في نهج البلاغة . . . فقد كان من الأعداء والحاقدين - علي النحو الذي قدمناه آنفا - ومن الأصدقاء والمحبين أيضا ، على حد سواء وما ذلك إلا لأن هذا الكتاب لم يتل بعد من الأصدقاء والمحبين ما يستحقه من عناية واهتمام ، ولا نظروا إليه تلك النظرة الشمولية والواعية ، التي تمنحهم القدرة على استخراج كوامنه ، والاستفادة من كنوزه وجواهر .
كلام علي عليه السلام
وإذا كان الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام هو القرآن الناطق ، وهو ذلك التعبير الصادق ، والتجسيد الحي للإسلام ، كل الاسلام . . حيث إن الإسلام قد ذاب في علي عليه السلام ، كماذاب علي عليه السلام في الإسلام . . فكان الإسلام في سلوكه وموافقه ، والإسلام في فكره ووجدانه ، والإسلام في كلماته وتوجيهاته .
وكذلك . . . إذا كان الإسلام هو ذلك الكل المترابط الذي لا يتبعض ولا يتجزأ . . وإذا كان لا يقبل من أحد أن يؤمن ببعض الكتاب ، ويكفر ببعض . بل هو يصدق بعضه بعضا ويفر بعضه بعضا . . .
إذا كان كذلك . . . فإن فهم فكر ، ومواقف ، وسلوك وعواطف ، وكلام وتوجيهات علي عليه السلام يحتاج إلى استيعاب وشمولية في الإطلوع على ذلك كله ، وكذلك إلى عمق في التفكير ، ودقة في الملاحظة ، وسلامة في المقارنة والربط بين ذلك كله . . حتى بالنسبة لما ربما بيد وللوهلة الأولى سهلا ، وواضحا ،
الهادي إلى موضوعات نهج البلاغة — صفحة 6
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص٦