أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَعَلَ الدُّنْيَا لِمَا بَعْدَهَا ، وَابْتَلَى فِيهَا أَهْلَهَا ، لِيَعْلَمَ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ، وَلَسْنَا لِلدُّنْيَا خُلِقْنَا ، وَلَا بِالسَّعْيِ فِيهَا أُمِرْنَا ، وَإِنَّمَا وُضِعْنَا فِيهَا لِنُبْتَلَي بِهَا ، وَقَدِ ابْتَلَانِي اللَّهُ بِكَ وَابْتَلَاكَ بِي : فَجَعَلَ أَحَدَنَا حُجَّةً عَلَى الْآخَرِ ، فَعَدَوْتَ عَلَى الدُّنْيَا بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ ، فَطَلَبْتَنِي بِمَا لَمْ تَجْنِ يَدِي وَلَا لِسَانِي ، وَعَصَيْتَهُ أَنْتَ وَأَهْلُ الشَّامِ بِي ، وَأَلَّبَ عَالِمُكُمْ جَاهِلَكُمْ ، وَقَائِمُكُمْ قَاعِدَكُمْ ؛ فَاتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ ، وَنَازِعِ الشَّيْطَانَ قِيَادَكَ ، وَاصْرِفْ إِلَى الْآخِرَةِ وَجْهَكَ ، فَهِيَ طَرِيقُنَا وَطَرِيقُكَ . وَاحْذَرْ أَنْ يُصِيبَكَ اللَّهُ مِنْهُ بِعَاجِلِ قَارِعَةٍ تَمَسُّ الْأَصْلَ ، وَتَقْطَعُ الدَّابِرَ ، فَإِنِّي أُولِي لَكَ بِاللَّهِ أَلِيَّةً غَيْرَ فَاجِرَةٍ ، لَئِنْ جَمَعَتْنِي وَإِيَّاكَ جَوَامِعُ الْأَقْدَارِ لَا أَزَالُ بِبَاحَتِكَ
حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ
.
الكتاب / 55 / ص 446 أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّا كُنَّا نَحْنُ وَأَنْتُمْ عَلَى مَا ذَكَرْتَ مِنَ الْأُلْفَةِ وَالْجَمَاعَةِ ، فَفَرَّقَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَمْسِ أَنَّا آمَنَّا وَكَفَرْتُمْ ، وَالْيَوْمَ أَنَّا اسْتَقَمْنَا وَفُتِنْتُمْ ، وَمَا أَسْلَمَ مُسْلِمُكُمْ إِلَّا كَرْهاً ، وَبَعْدَ أَنْ كَانَ أَنْفُ الْإِسْلَامِ كُلُّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، حِزْباً .
وَذَكَرْتَ أَنِّي قَتَلْتُ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ ، وَشَرَّدْتُ بِعَائِشَةَ ، وَنَزَلْتُ بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ ! وَذَلِكَ أَمْرٌ غِبْتَ عَنْهُ فَلَا عَلَيْكَ ، وَلَا الْعُذْرُ فِيهِ إِلَيْكَ .