تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهادي إلى موضوعات نهج البلاغة — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
وَأَنْ يَحْشُرَ مَعَهُمْ طُيُورَ السَّمَاءِ وَوُحُوشَ الْأَرَضِينَ لَفَعَلَ ، وَلَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلَاءُ ، وَبَطَلَ الْجَزَاءُ ، وَاضْمَحَلَّتِ الْأَنْبَاءُ ، وَلَمَا وَجَبَ لِلْقَابِلِينَ أُجُورُ الْمُبْتَلَيْنَ ، وَلَا اسْتَحَقَّ الْمُؤْمِنُونَ ثَوَابَ الْمُحْسِنِينَ ، وَلَا لَزِمَتِ الْأَسْمَاءُ مَعَانِيَهَا . وَلَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أُولِي قُوَّةٍ فِي عَزَائِمِهِمْ ، وَضَعَفَةً فِيمَا تَرَى الْأَعْيُنُ مِنْ حَالاتِهِمْ ، مَعَ قَنَاعَةٍ تَمْلَأُ الْقُلُوبَ وَالْعُيُونَ غِنًى ، وَخَصَاصَةٍ تَمْلَأُ الْأَبْصَارَ وَالْأَسْمَاعَ أَذًى . وَلَوْ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ أَهْلَ قُوَّةٍ لَا تُرَامُ ، وَعِزَّةٍ لَا تُضَامُ ، وَمُلْكٍ تُمَدُّ نَحْوَهُ أَعْنَاقُ الرِّجَالِ ، وَتُشَدُّ إِلَيْهِ عُقَدُ الرِّحَالِ ، لَكَانَ ذَلِكَ أَهْوَنَ عَلَى الْخَلْقِ فِي الِاعْتِبَارِ ، وَأَبْعَدَ لَهُمْ فِي الِاسْتِكْبَارِ ، وَلَآمَنُوا عَنْ رَهْبَةٍ قَاهِرَةٍ لَهُمْ ، أَوْ رَغْبَةٍ مَائِلَةٍ بِهِمْ ، فَكَانَتِ النِّيَّاتُ مُشْتَرَكَةً ، وَالْحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَةً . وَلَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الِاتِّبَاعُ لِرُسُلِهِ ، وَالتَّصْدِيقُ بِكُتُبِهِ ، وَالْخُشُوعُ لِوَجْهِهِ ، وَالِاسْتِكَانَةُ لِأَمْرِهِ ، وَالِاسْتِسْلَامُ لِطَاعَتِهِ ، أُمُوراً لَهُ خَاصَّةً ، لَا تَشُوبُهَا مِنْ غَيْرِهَا شَائِبَةٌ . وَكُلَّمَا كَانَتِ الْبَلْوَى وَالِاخْتِبَارُ أَعْظَمَ كَانَتِ الْمَثُوبَةُ وَالْجَزَاءُ أَجْزَلَ . أَ لَا تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ ، سُبْحَانَهُ ، اخْتَبَرَ الْأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، إِلَى الْآخِرِينَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ ؛ بِأَحْجَارٍ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ، وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تَسْمَعُ ، فَجَعَلَهَا بَيْتَهُ الْحَرَامَ « الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً » . ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الْأَرْضِ حَجَراً ، وَأَقَلِّ نَتَائِقِ الدُّنْيَا مَدَراً ، وَأَضْيَقِ بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ قُطْراً . بَيْنَ جِبَالٍ خَشِنَةٍ ، وَرِمَالٍ دَمِثَةٍ ، وَعُيُونٍ وَشِلَةٍ ، وَقُرًى مُنْقَطِعَةٍ ؛ لَا يَزْكُو بِهَا خُفٌّ ، وَلَا حَافِرٌ وَلَا ظِلْفٌ . ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ ع وَوَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ ، فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنْتَجَعِ أَسْفَارِهِمْ ، وَغَايَةً لِمُلْقَى
الهادي إلى موضوعات نهج البلاغة — صفحة 45 | الشيخ علي المشكيني