فِي الْحَسَنَةِ عُقُوبَةَ السَّيِّئَةِ .
خ / 147 / ص 204 ثُمَّ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَغْرَاضُ بَلَايَا قَدِ اقْتَرَبَتْ . فَاتَّقُوا سَكَرَاتِ النِّعْمَةِ ، وَاحْذَرُوا بَوَائِقَ النِّقْمَةِ ، وَتَثَبَّتُوا فِي قَتَامِ الْعِشْوَةِ ، وَاعْوِجَاجِ الْفِتْنَةِ عِنْدَ طُلُوعِ جَنِينِهَا ، وَظُهُورِ كَمِينِهَا ، وَانْتِصَابِ قُطْبِهَا ، وَمَدَارِ رَحَاهَا . تَبْدَأُ فِي مَدَارِجَ خَفِيَّةٍ ، وَتَئُولُ إِلَى فَظَاعَةٍ جَلِيَّةٍ .
شِبَابُهَا كَشِبَابِ الْغُلَامِ ، وَآثَارُهَا كَآثَارِ السِّلَامِ ، يَتَوَارَثُهَا الظَّلَمَةُ بِالْعُهُودِ ! أَوَّلُهُمْ قَائِدٌ لِآخِرِهِمْ ، وَآخِرُهُمْ مُقْتَدٍ بِأَوَّلِهِمْ ؛ يَتَنَافَسُونَ فِي دُنْيَا دَنِيَّةٍ ، وَيَتَكَالَبُونَ عَلَى جِيفَةٍ مُرِيحَةٍ . وَعَنْ قَلِيلٍ يَتَبَرَّأُ التَّابِعُ مِنَ الْمَتْبُوعِ ، وَالْقَائِدُ مِنَ الْمَقُودِ ، فَيَتَزَايَلُونَ بِالْبَغْضَاءِ ، وَيَتَلَاعَنُونَ عِنْدَ اللِّقَاءِ . ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ طَالِعُ الْفِتْنَةِ الرَّجُوفِ ، وَالْقَاصِمَةِ الزَّحُوفِ ، فَتَزِيغُ قُلُوبٌ بَعْدَ اسْتِقَامَةٍ ، وَتَضِلُّ رِجَالٌ بَعْدَ سَلَامَةٍ ؛ وَتَخْتَلِفُ الْأَهْوَاءُ عِنْدَ هُجُومِهَا ، وَتَلْتَبِسُ الْآرَاءُ عِنْدَ نُجُومِهَا . مَنْ أَشْرَفَ لَهَا قَصَمَتْهُ ، وَمَنْ سَعَى فِيهَا حَطَمَتْهُ ؛ يَتَكَادَمُونَ فِيهَا تَكَادُمَ الْحُمُرِ فِي الْعَانَةِ ! قَدِ اضْطَرَبَ مَعْقُودُ الْحَبْلِ ، وَعَمِيَ وَجْهُ الْأَمْرِ . تَغِيضُ فِيهَا الْحِكْمَةُ ، وَتَنْطِقُ فِيهَا الظَّلَمَةُ ، وَتَدُقُّ أَهْلَ الْبَدْوِ بِمِسْحَلِهَا ، وَتَرُضُّهُمْ بِكَلْكَلِهَا ! يَضِيعُ فِي غُبَارِهَا الْوُحْدَانُ ، وَيَهْلِكُ فِي طَرِيقِهَا الرُّكْبَانُ ؛ تَرِدُ بِمُرِّ الْقَضَاءِ ، وَتَحْلُبُ عَبِيطَ الدِّمَاءِ ، وَتَثْلِمُ مَنَارَ الدِّينِ ، وَتَنْقُضُ عَقْدَ الْيَقِينِ . يَهْرُبُ مِنْهَا الْأَكْيَاسُ ، وَيُدَبِّرُهَا الْأَرْجَاسُ . مِرْعَادٌ مِبْرَاقٌ ، كَاشِفَةٌ عَنْ سَاقٍ ! تُقْطَعُ فِيهَا الْأَرْحَامُ ، وَيُفَارَقُ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ ! بَرِيئُهَا سَقِيمٌ ، وَظَاعِنُهَا مُقِيمٌ !
الهادي إلى موضوعات نهج البلاغة — صفحة 374
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص٣٧٤