تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهادي إلى موضوعات نهج البلاغة — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
الْمَرِحِ الْمُخْتَالِ ، وَيَتَصَفَّحُ ذَنَبَهُ وَجَنَاحَيْهِ ، فَيُقَهْقِهُ ضَاحِكاً لِجَمَالِ سِرْبَالِهِ ، وَأَصَابِيغِ وِشَاحِهِ ؛ فَإِذَا رَمَى بِبَصَرِهِ إِلَى قَوَائِمِهِ زَقَا مُعْوِلًا بِصَوْتٍ يَكَادُ يُبِينُ عَنِ اسْتِغَاثَتِهِ ، وَيَشْهَدُ بِصَادِقِ تَوَجُّعِهِ ، لِأَنَّ قَوَائِمَهُ حُمْشٌ كَقَوَائِمِ الدِّيَكَةِ الْخِلَاسِيَّةِ . وَقَدْ نَجَمَتْ مِنْ ظُنْبُوبِ سَاقِهِ صِيصِيَةٌ خَفِيَّةٌ ، وَلَهُ فِي مَوْضِعِ الْعُرْفِ قُنْزُعَةٌ خَضْرَاءُ مُوَشَّاةٌ . وَمَخْرَجُ عَنُقِهِ كَالْإِبْرِيقِ ، وَمَغْرِزُهَا إِلَى حَيْثُ بَطْنُهُ كَصِبْغِ الْوَسِمَةِ الْيَمَانِيَّةِ ، أَوْ كَحَرِيرَةٍ مُلْبَسَةٍ مِرْآةً ذَاتَ صِقَالٍ ، وَكَأَنَّهُ مُتَلَفِّعٌ بِمِعْجَرٍ أَسْحَمَ ؛ إِلَّا أَنَّهُ يُخَيَّلُ لِكَثْرَةِ مَائِهِ ، وَشِدَّةِ بَرِيقِهِ ، أَنَّ الْخُضْرَةَ النَّاضِرَةَ مُمْتَزِجَةٌ بِهِ . وَمَعَ فَتْقِ سَمْعِهِ خَطٌّ كَمُسْتَدَقِّ الْقَلَمِ فِي لَوْنِ الْأُقْحُوَانِ ، أَبْيَضُ يَقَقٌ ، فَهُوَ بِبَيَاضِهِ فِي سَوَادِ مَا هُنَالِكَ يَأْتَلِقُ . وَقَلَّ صِبْغٌ إِلَّا وَقَدْ أَخَذَ مِنْهُ بِقِسْطٍ ، وَعَلَاهُ بِكَثْرَةِ صِقَالِهِ وَبَرِيقِهِ ، وَبَصِيصِ دِيبَاجِهِ وَرَوْنَقِهِ ، فَهُوَ كَالْأَزَاهِيرِ الْمَبْثُوثَةِ ، لَمْ تُرَبِّهَا أَمْطَارُ رَبِيعٍ ، وَلَا شُمُوسُ قَيْظٍ . وَقَدْ يَنْحَسِرُ مِنْ رِيشِهِ ، وَيَعْرَى مِنْ لِبَاسِهِ ، فَيَسْقُطُ تَتْرَى ، وَيَنْبُتُ تِبَاعاً ، فَيَنْحَتُّ مِنْ قَصَبِهِ انْحِتَاتَ أَوْرَاقِ الْأَغْصَانِ ، ثُمَّ يَتَلَاحَقُ نَامِياً حَتَّى يَعُودَ كَهَيْئَتِهِ قَبْلَ سُقُوطِهِ ، لَا يُخَالِفُ سَالِفَ أَلْوَانِهِ ، وَلَا يَقَعُ لَوْنٌ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ ! وَإِذَا تَصَفَّحْتَ شَعْرَةً مِنْ شَعَرَاتِ قَصَبِهِ أَرَتْكَ حُمْرَةً وَرْدِيَّةً ، وَتَارَةً خُضْرَةً زَبَرْجَدِيَّةً ، وَأَحْيَاناً صُفْرَةً عَسْجَدِيَّةً فَكَيْفَ تَصِلُ إِلَى صِفَةِ هَذَا عَمَائِقُ الْفِطَنِ ، أَوْ تَبْلُغُهُ قَرَائِحُ الْعُقُولِ ، أَوْ تَسْتَنْظِمُ وَصْفَهُ أَقْوَالُ الْوَاصِفِينَ ! وَأَقَلُّ أَجْزَائِهِ قَدْ أَعْجَزَ الْأَوْهَامَ أَنْ تُدْرِكَهُ ، وَالْأَلْسِنَةَ أَنْ تَصِفَهُ !