تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهادي إلى موضوعات نهج البلاغة — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
جَهَالَةً بِنَفْسِهِ . يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ ، مَا جَرَّأَكَ عَلَى ذَنْبِكَ ، وَمَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ، وَمَا أَنَّسَكَ بِهَلَكَةِ نَفْسِكَ ؟ أَ مَا مِنْ دَائِكَ بُلُولٌ ، أَمْ لَيْسَ مِنْ نَوْمَتِكَ يَقَظَةٌ ؟ أَ مَا تَرْحَمُ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَرْحَمُ مِنْ غَيْرِكَ ؟ فَلَرُبَّمَا تَرَى الضَّاحِيَ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ فَتُظِلُّهُ ، أَوْ تَرَى الْمُبْتَلَى بِأَلَمٍ يُمِضُّ جَسَدَهُ فَتَبْكِي رَحْمَةً لَهُ ! فَمَا صَبَّرَكَ عَلَى دَائِكَ ، وَجَلَّدَكَ عَلَى مُصَابِكَ ، وَعَزَّاكَ عَنِ الْبُكَاءِ عَلَى نَفْسِكَ وَهِيَ أَعَزُّ الْأَنْفُسِ عَلَيْكَ ! وَكَيْفَ لَا يُوقِظُكَ خَوْفُ بَيَاتِ نِقْمَةٍ ، وَقَدْ تَوَرَّطْتَ بِمَعَاصِيهِ مَدَارِجَ سَطَوَاتِهِ ! فَتَدَاوَ مِنْ دَاءِ الْفَتْرَةِ فِي قَلْبِكَ بِعَزِيمَةٍ ، وَمِنْ كَرَى الْغَفْلَةِ فِي نَاظِرِكَ بِيَقَظَةٍ ، وَكُنْ لِلَّهِ مُطِيعاً ، وَبِذِكْرِهِ آنِساً . وَتَمَثَّلْ فِي حَالِ تَوَلِّيكَ عَنْهُ إِقْبَالَهُ عَلَيْكَ ، يَدْعُوكَ إِلَى عَفْوِهِ ، وَيَتَغَمَّدُكَ بِفَضْلِهِ ، وَأَنْتَ مُتَوَلٍّ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ . فَتَعَالَى مِنْ قَوِيٍّ مَا أَكْرَمَهُ ! وَتَوَاضَعْتَ مِنْ ضَعِيفٍ مَا أَجْرَأَكَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ! وَأَنْتَ فِي كَنَفِ سِتْرِهِ مُقِيمٌ ، وَفِي سَعَةِ فَضْلِهِ مُتَقَلِّبٌ . فَلَمْ يَمْنَعْكَ فَضْلَهُ ، وَلَمْ يَهْتِكْ عَنْكَ سِتْرَهُ ، بَلْ لَمْ تَخْلُ مِنْ لُطْفِهِ مَطْرَفَ عَيْنٍ فِي نِعْمَةٍ يُحْدِثُهَا لَكَ ، أَوْ سَيِّئَةٍ يَسْتُرُهَا عَلَيْكَ ، أَوْ بَلِيَّةٍ يَصْرِفُهَا عَنْكَ ، فَمَا ظَنُّكَ بِهِ لَوْ أَطَعْتَهُ ! وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ كَانَتْ فِي مُتَّفِقَيْنِ فِي الْقُوَّةِ ، مُتَوَازِيَيْنِ فِي الْقُدْرَةِ ، لَكُنْتَ أَوَّلَ حَاكِمٍ عَلَى نَفْسِكَ بِذَمِيمِ الْأَخْلَاقِ ، وَمَسَاوِئِ الْأَعْمَالِ . وَحَقّاً أَقُولُ ! مَا الدُّنْيَا غَرَّتْكَ ، وَلَكِنْ بِهَا اغْتَرَرْتَ ، وَلَقَدْ كَاشَفَتْكَ الْعِظَاتِ ، وَآذَنَتْكَ عَلَى سَوَاءٍ . وَلَهِيَ بِمَا تَعِدُكَ مِنْ نُزُولِ الْبَلَاءِ بِجِسْمِكَ ، وَالنَّقْصِ فِي قُوَّتِكَ ، أَصْدَقُ وَأَوْفَى مِنْ أَنْ تَكْذِبَكَ ، أَوْ تَغُرَّكَ . وَلَرُبَّ نَاصِحٍ لَهَا عِنْدَكَ مُتَّهَمٌ ،
الهادي إلى موضوعات نهج البلاغة — صفحة 112 | الشيخ علي المشكيني