عند أهله انهم لم يعارضوه قط فيعلم من ذلك انهم لم يجدوا فيه الاختلاف المذكور .
قال الباقلاني في اعجاز القرآن في جملة كلام له ما هذا نصه :
والذي يدل على أنهم كانوا عاجزين عن الاتيان بمثل القرآن انه تحداهم اليه ، حتى طال التحدي وجعله دلالة على صدقه ونبوته وتضمن احكامه استباحة دمائهم وأموالهم وسبي ذريتهم ، فلو كانوا يقدرون على تكذيبه لفعلوا وتوصلوا إلى تخليص أنفسهم وأهليهم وأموالهم من حكمه بأمر قريب هو عادتهم في لسانهم ومألوف من خطابهم ، وكان ذلك يغنيهم عن تكلف القتال واكثار المراء والجدال وعن الجلاء عن الأوطان وعن تسليم الأهل والذرية للسبي .
فلما لم يحصل هناك معارضة منهم علم أنهم عاجزون عنها ، يبين ذلك ان العدو يقصد لدفع قول عدوه بكل ما قدر عليه من المكايد ، لا سيما مع استعظامه ما أبدعه بالمجيء من خلع آلهته ، وتسفيه رأيه في ديانته ، وتضليل آبائه ، والتغريب عليه بما جاء به ، واظهار امر يوجب الانقياد لطاعته والتصرف على حكم ارادته ، والعدول عن إلفه وعادته ، والانخراط في سلك الاتباع بعد ان كان متبوعا والتشييع بعد ان كان مشيعا ، وتحكيم الغير في ماله ، وتسليطه إياه على جملة أحواله ، والدخول تحت تكاليف شاقة وعبادات متعبة بقوله . وقد علم أن بعض هذه الأحوال مما يدعو إلى سلب النفوس دونه . هذا والحمية حميتهم ، والهمم الكبيرة هممهم ، وقد بذلوا له السيف واخطروا بنفوسهم وأموالهم ، فكيف يجوز ان لا يتوصلوا إلى الرد عليه وإلى تكذيبه بأهون سعيهم ومألوف امرهم ، وما يمكن تناوله من غير أن يعرق جبين أو يشتغل به خاطر ، وهو لسانهم الذي يتخاطبون به مع
المدرس الأفضل فيما يرمز ويشار إليه في المطول — صفحة 122
مساهمون: الشيخ محمد علي المدرس الأفغاني
ص١٢٢