بلوغهم في الفصاحة النهاية التي ليس ورائها مطلع ، والرتبة التي ليس ورائها منزع .
ومعلوم انهم لو عارضوه بما تحداهم اليه لكان فيه توهين امره وتكذيب قوله وتفريق جمعه وتتبيب أسبابه ، وكان من صدق به يرجع على اعقابه ويعود في مذهب أصحابه ، فلما لم يفعلوا شيئا من ذلك مع طول المدة ووقوع الفسحة وكان امره يتزايد حالا فحالا ويعلو شيئا فشيئا وهم على العجز عن القدح في آيته والطعن في دلالته علم مما بينا انهم كانوا لا يقدرون على معارضته ولا على توهين حجته ، وقد اخبر اللّه تعالى عنهم انهم قوم خصمون وقال
« تُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا »
وقال
« خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ » .
وعلم أيضا ان ما كانوا يقولونه من وجوه اعتراضهم على القرآن مما حكى اللّه عز وجل عنهم من قولهم
« لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ »
وقولهم
« ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ »
وقالوا
« يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ »
وقالوا
« فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ » ،
« أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ » ،
« وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً » ،
« وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا » ،
« وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً »
وقوله
« الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ » .
إلى آيات كثيرة في نحو هذا تدل على أنهم كانوا متحيرين في امرهم متعجبين من عجزهم ، يفزعون إلى نحو هذه الأمور من تعليل وتعذير ومدافعة بما وقع التحدي اليه وعرف الحث عليه ، وقد علم