تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحاشية على حاشية الخفري على شرح القوشچي على التجريد — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
عليه أنّ من رأى خطوطا مليحة أو سمع ألفاظا فصيحة تنبئ عن معان دقيقة وأغراض صحيحة علم قطعا أنّ فاعلها عالم ، وأمّا الصغرى فلما ثبت من أنّه خالق للأفلاك والعناصر بما فيها من الأعراض والجواهر وأنواع المعادن والنباتات وأصناف الحيوانات على اتّساق وانتظام وإتقان وإحكام تحيّر فيه العقول والأفهام ولا تفي بتفاصيلها الدفاتر والأقلام على ما يشهد بذلك علم الهيئة وعلم التشريح وعلم الآثار العلويّة والسفليّة وعلم الحيوان والنبات ، مع أنّ الإنسان لم يؤت من العلم إلّا قليلا ولم يجد إلى الكثير سبيلا . فإن قيل : إن أريد الانتظام والإحكام من كلّ وجه بمعنى أنّ هذه الآثار مرتّبة ترتيبا لا خلل فيه أصلا وملائمة للمنافع والمصالح المطلوبة منها بحيث لا يتصوّر ما هو أوفق منه وأصلح فظاهر أنّها ليست كذلك ، بل الدنيا طافحة بالشرور والآفات ، وإن أريد في الجملة ومن بعض الوجوه ، فجلّ آثار المؤثّرات من غير العقلاء بل كلّها كذلك ، فإنّ تبريد الماء وتسخين النار ينتفعان بهما . قلنا : المراد اشتمال الأفعال والآثار على لطائف الصنع وبدائع الترتيب وحسن الملائمة للمنافع والمطابقة للمصالح على وجه الكمال وإن اشتمل بالعرض على نوع من الخلل ، وجاز أن يكون فوقه ما هو أكمل ، والعلم بأنّ مثل ذلك لم يصدر إلّا عن العالم ضروري ، سيّما إذا تكرّر وتكثّر وخفاء الضروري على بعض العقلاء جائز . فإن قيل قد يصدر عن بعض الحيوانات العجم أفعال متقنة محكمة في ترتيب مساكنها وترتيب معايشها كما للنحل وكثير من الوحوش والطيور ، على ما هو في الكتب مسطور وفيما بين الناس مشهور ، مع أنّها ليست من أولي العلم .