الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد ، وهو « بذل الوسع للقيام بعمل ما » « 1 » وقد استعملت هذه الكلمة - لأول مرّة - على الصعيد الفقهي للتعبير بها عن قاعدة من القواعد الّتي قرّرتها بعض مدارس الفقه السنّي وسادت على أساسها ، وهي القاعدة القائلة : « إنّ الفقيه إذا أراد أن يستنبط حكما شرعيا ولم يجد نصّا يدلّ عليه في الكتاب والسنّة رجع إلى الاجتهاد بدلا عن النص » « 2 » .
والاجتهاد هنا « 3 » يعني التفكير الشخصي ، فالفقيه حيث لا يجد النصّ يرجع إلى تفكيره الخاصّ ، ويستلهمه ويبني على ما يرجح في فكره الشخصيّ من تشريع ، وقد يعبّر عنه بالرأي أيضا . والاجتهاد بهذا المعنى يعتبر دليلا من أدلّة الفقيه ومصدرا من مصادره ، « 4 » فكما أنّ الفقيه
هامش
( 1 ) . نهاية اللغة لابن كثير ، مادّة « جهد » .
( 2 ) . قال الدواليبي في مدخل إلى علم الأصول : « كانت ترد على الصحابة أقضية لا يرون فيها نصّا من الكتاب أو السنّة ، وإذ ذاك كانوا يلجئون إلى الاجتهاد ، وكانوا يعبّرون عنه بالرأي أيضا ، كما كان يفعل أبو بكر وكذلك عمر فعل . . . » أقول : إن دعوى عدم وجود دليل في الكتاب والسنة مخالفة لقوله تعالى :تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍوأنّ الدين أصبح كاملا من كل جهة بقوله تعالى :الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناًولكثير من الروايات الّتي نصّت على : « ما من شيء إلّا وفيه كتاب أو سنّة » و « ما من حادثة إلّا وللّه فيها حكم » ولكن هذا لمن أراد الحقّ والعلم به لا لمن أراد المصلحة الشخصية ، كذلك من الطبيعي جدّا للجاهل بشرع اللّه أن يقول : لم أجد آية أو رواية لهذا الحكم ، فيقول برأيه ، بيد أنّ العالم بشرع اللّه وما في كتاب اللّه وسنة نبيّه يستحيل أن يقول هذا الكلام الّذي يعدّ تنقيصا للشريعة . فتدبرّ جيدا .
( 3 ) . عند السنّة .
( 4 ) . مصادر التشريع عند السنّة هي : الكتاب والسنة والإجماع ، بمعنى أنّه مصدر أساسي ، وكذلك الاجتهاد انظر : أصول الفقه : محمد الخضري : 368 ؛ المدخل إلى علم الأصول : 53 للدواليبي .