الأوّل : أن يكون أمرا بالتعمّق ، فالمعنى : ليتعمّقوا فيه .
الثاني : أن يكون نهيا عنه ، فالمعنى : لا يتعمّقوا كثيرا بأفكارهم ، بل يقتصروا في معرفته سبحانه على ما بيّن لهم .
الثالث : أن لا يكون بمعنى الإنشاء ، سواء كان أمرا كالأوّل ، أو نهيا كالثاني ، بل هو إخبار ، ومبيّن للضابط والمعيار الذي يعرضون أفكارهم عليها ، فلا يزلّوا ولا يخطأوا ، ثم قال رحمه اللّه : والأوسط أظهر ، أي : كونه نهيا عن التعمّق بأفكارهم أظهر ؛ للزوم الاقتصار على ما بيّن لهم « 1 » .
أقول : الظاهر هو الأخير ، إذ لا مجال لحمل قوله عليه السّلام : « متعمّقون » على الإنشاء أوّلا ، ولكفاية الآيات الدالّة على أنّه تعالى
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
، وأنّهم
لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
، وأنّه
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
ثانيا بلا فاقة إلى نزول هاتين السورتين ، ولأنّ نطاق هاتين السورتين مفيد لغير واحد من الأوصاف الإلهيّة الّتي ترتعد فرائص العقول حولها ثالثا ، ولو كان الهدف السامي لنزولهما هو النهي عن التعمّق ونحو ذلك لكان لهما لسان آخر ، فالصواب هو : أنّ محتواهما بيان للمعيار النهائيّ في التوحيد حتّى تعرض عليه الأفكار والآراء كما استنبطه أساطين الحكمة ، فمحتوى السورتين ميزان قسط لا يحيد ، فلا بدّ من عرض المعارف عليه .
ومن هنا يظهر : أنّ ما أفاده بعض مشايخنا « 2 » - قدّس سرّه - من : أنّ الأظهر أنّ الرواية ذمّ للمتعمّقين إلى الّذين يتصدّون لمعرفة ما لا يناله الإنسان من ذات اللّه تعالى ، وأمر لهم بالاكتفاء بمفاد الآيات « 3 » ليس بتامّ ؛ لأنّ المطلب المذكور وإن كان حقّا في نفسه - لأنّ التصدّي لما لا ينال تهلكة وتيه - ولكنّ السورتين قد اشتملتا على معارف جمّة لم يكن في وسع من قدّمه الدهر أن ينالها ، كما لم يؤثر عنهم ما نالته رجال من فارس ، ولو لم يصدّر قوله - رحمه اللّه - بما نقل عن صدر المتألّهين - قدّس
هامش
( 1 ) مرآة العقول : ج 1 ص 320 ط دار الكتب الإماميّة .
( 2 ) هو العلامة الشعرانيّ رحمه اللّه .
( 3 ) الوافي : ج 1 ص 369 .