شرح
عليه : أنّ اللَّه سبحانه ينزّل من السماء الماء المطهر ، لا أنّ كلّ ماءٍ ينزّله من السماء فهو ماء مطهّر .
هذا كلّه ، مضافاً إلى أنّ السياق القرآنيّ للآية الكريمة واضح في أنّه بصدد استعراض الأحداث الجزئية التفصيلية التي وقعت للمسلمين في غزوة بدر ، وماتفضّل به اللَّه تعالى على المسلمين ، قال تعالى :« إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَإِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ »« 1 » .
وهذا السياق الاستعراضيّ للأحداث واللسان الامتنانيّ بنفسه قرينة على أنّ المراد بقوله :« وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ »التفضّل بالمطر ، وليس المراد منه التنزيل الثابت لتمام أقسام المياه المساوق لإيجاد الماء ، ولوضوح أنّ تمام المنّة الربّانية إنّما حصل بنزول المطر على المسلمين بعد ابتلائهم بالاحتلام في نومهم ، فالمطر ونزوله عليهم بعنوانه هو مصبّ التفضّل والامتنان ، وليس مصبّ التفضّل والامتنان وجود الماء في العالم النازل من السماء بمقتضى أصله وطبعه ، فكلمة « وينزِّل عليكم » - بقرينة السياق الاستعراضيّ لأحداث غزوة بدر ، واللسان الامتنانيّ على المسلمين وقتئذٍ - تكون مساوقةً ل « ويمطركم » ، فيختصّ بالمطر المتعارف الذي هو قسم من أقسام المياه .
وإن شئت قلت : إنّ الوارد في الآية الكريمة ليس مجرّد تنزيل الماء المطهّر من السماء حتّى يقال : إنّ كلّ ماءٍ منزّلٌ من السماء ، بل « ينزِّل عليكم » أي التنزيل على الناس ، وهذا يختصّ بماء المطر المتعارف ، ولا يشمل ماء البحر ولو فرض كونه نازلًا من السماء .
هامش
( 1 ) الأنفال : 9 - 11