شرح
تعارض عامّان من وجهٍ ، ووجد خاصّ يُخرج من نطاق أحد العامّين مادة الافتراق له عن العامّ الآخر ، بحيث يصبح العامّ المخصّص بعد تخصيصه مخصّصاً بدوره للعامّ المعارض له . وقد حقّقنا في الأصول « 1 » أنّ انقلاب النسبة غير تامّ .
نعم ، لو فرض أنّ تنجّس الماء القليل بمجرّد الملاقاة بلا حاجةٍ إلى التغيّر أمر ارتكازيّ في ذهن المتشرعة ، بحيث يكون الارتكاز بمثابة المخصّص اللبّيّ المتّصل بدليل انفعال الماء الراكد بالتغيّر فهذا يعني ، أنّ دليل انفعال الماء الراكد بالتغيّر انعقد ظهوره من أول الأمر في خصوص الكرّ ، نتيجةً لاتّصال ذلك المخصّص اللبّيّ به ، فيكون أخصّ مطلقاً من دليل اعتصام الكرّ فيخصصه ، بلا حاجةٍ إلى القول بانقلاب النسبة .
الثالث : الاستعانة بكبرى انقلاب النسبة أيضاً ، ولكن بوجهٍ آخر . فقد كنّا في الوجه السابق نفرض نشوء انقلاب النسبة من مخصّصٍ يُخرج مادة الافتراق لأحد العامّين من وجه ، وفي هذا الوجه يُدَّعى إمكان انقلاب النسبة على أساس وجود مخصّصٍ لأحد العامّين المتعارضين بنحو التساوي ، بأن يقال : إنّ لدينا دليلًا يدلّ بإطلاقه على عدم انفعال الكرّ بالملاقاة ، سواء حصل التغيّر أو لا ، ولدينا أيضاً دليل ثاني يدلّ بإطلاقه على انفعال الكرّ بالملاقاة ، سواء حصل التغير أوْ لا ، وهذا الدليل هو رواية أبي بصير ، قال : سألته عن كرٍّ من ماءٍ مررت به وأنا في سفر ، قد بال فيه حمار أو بغل أو انسان ، قال : « لا توضّأ منه ، ولا تشرب منه » « 2 » .
وهذان الدليلان متعارضان بنحو التساوي ، بمعنى : أنّ كلًاّ منهما يشمل كلتا حالتي التغيّر وعدمه . وهناك دليل ثالث ، وهو ما ورد في نفي الانفعال عن الكرّ في
هامش
( 1 ) بحوث في علم الأصول 7 : 291 - 298
( 2 ) وسائل الشيعة 1 : 139 ، الباب 3 من أبواب الماء المطلق ، الحديث 5