ومن منّا لا يجول في ذهنه هذا الاستفهام : نحن من أين أتينا ؟ . ولماذا كنّا ؟ . وإلى أين نصير ؟ ! . أهي حياة غايتها الأكل والشرب واللّهو ، وتمثيل دور تافه على مسرح حرّ من مسارح الحياة ، ثم يتعاقب ليل ونهار يؤدّيان بالمرء إلى الموت فالعدم . . فالنسيان ؟ ! !
لا ، بل إن العقل المستنير - القائم على الإيمان بالحقائق - لا يقبل هذا ، ولا يقتنع بأنه ( خلق عبثا ) ! . فينبغي له أن لا يتمرّد على سنن الطبيعة ، وأن يعيد النظر في سلوكه ، ويتأمّل في الغاية من وجوده ، ويقدّر لمصيره ومصير مجتمعه خيرا مما هو عليه ، كيلا يكون مساهما في دفع الإنسانية نحو هاوية ليس لها قرار ، بعد أن عرف أن ( الطبيعة ) أبت أن تسكت عمّن يتنكّر لسننها ، وعلّمتنا أنها تنتقم ممن يدنّس نواميسها ! . فكيف بمن يدنّس نواميس السماء ؟ ! !
وليكن معلوما أننا في زمان نحن موعودون به ، ومنتظرون لحلوله . . وقد حلّ بكل ما يواكبه من ترف رخيص ! ! ! .
والعيب الأكبر هو أن نرتضي كوننا أهل ذلك الزمان الذي تلازمه ظواهر طبيعية ستدكّ الأرض وتطبّق السماء . . ثم نهيّء لهذه الظواهر بملء اختيارنا ، وببذل جميع طاقاتنا ، تماما كمن يرى أتون النار الملتهب ويرمي نفسه فيه ! ! !
أجل إنه لزمان منتظر تناول وصفه نبيّنا وأوصياؤه عليهم السّلام حين كانوا يغرسون الإنسانية المثلى في نفوس أفراد الأمّة الإسلامية ، وحين كانوا يؤثّلون العقيدة في قلوبهم ، ويؤصّلونهم على الإيمان الذي يكفل سعادة الإنسان في الدارين . .
فاستمع إلى وصفهم ، وأعجب من دقّة تصويرهم لما نحن عليه في الصفحات التالية المثقلة بالعلم اللّدنيّ وبالحقائق الغريبة التي حكوا عنها منذئذ ! .
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
- لا يأتي عليكم زمان إلّا الذي بعده شرّ منه « 1 » ! .
( وإذا استقرأنا الأزمنة التي مرّت على المسلمين منذ عهده الكريم حتى اليوم ،
هامش
( 1 ) صحيح البخاري ج 3 ص 49 .