تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهج الخلاص — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣
بذي قار - فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد فإنّ اللّه تبارك وتعالى بعث محمدا صلّى اللّه عليه واله وسلم بالحقّ ، ليخرج عباده من عبادة عباده إلى عبادته ، ومن عهود عباده إلى عهوده ، ومن طاعة عباده إلى طاعته ، ومن ولاية عباده إلى ولايته ، بشيرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه ، وسراجا منيرا ، عودا وبدءا وعذرا ونذرا ، بحكم قد فصّله ، وتفصيل قد أحكمه ، وفرقان قد فرقه ، وقرآن قد بيّنه ، ليعلم العباد ربّهم إذ جهلوه ، وليقرّوا به إذ جحدوه ، وليثبتوه بعد إذ أنكروه ، فتجلّى لهم سبحانه في كتابه من غير أن يكونوا رأوه ، فأراهم حلمه كيف حلم ، وأراهم عفوه كيف عفا ، وأراهم قدرته كيف قدر ، وخوّفهم من سطوته ، وكيف خلق ما خلق من الآيات ، وكيف محق من محق من العصاة بالمثلات واحتصد ، من احتصد بالنّقمات ، وكيف رزق وهدى وأعطى ، وأراهم حكمه ، كيف حكم وصبر ، حتّى يسمع ما يسمع ويري ، فبعث الله عزّ وجلّ محمدا بذلك . ثمّ إنّه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس في ذلك الزمان شيء أخفى من الحقّ ، ولا أظهر من الباطل ، ولا أكثر من الكذب على الله تعالى ورسوله صلّى اللّه عليه واله وسلم ، وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب ، إذا تلي حقّ تلاوته ، ولا سلعة أنفق بيعا ولا أغلى ثمنا من الكتاب ، إذا حرّف عن مواضعه ، وليس في العباد ولا في البلاد شيء هو أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر ، وليس فيها فاحشة أنكر ولا عقوبة أنكى من الهدى عند الضلال في ذلك الزمان ، فقد نبذ الكتاب حملته وتناساه حفظته ، حتى تمايلت بهم الأهواء ، وتوارثوا ذلك من الآباء ، وعملوا بتحريف الكتاب كذبا وتكذيبا ، فباعوه بالبخس وكانوا فيه من الزاهدين ، فالكتاب وأهل الكتاب في ذلك الزمان طريدان منفيّان ، وصاحبان مصطحبان في طريق واحد ، لا يؤويهما مؤو ، فحبّذا ذانك الصّاحبان ، واها لهما ولما يعملان له . فالكتاب وأهل الكتاب في ذلك الزمان في النّاس وليسوا فيهم وليسوا معهم ، وذلك لأنّ الضلالة لا توافق الهدى وإن اجتمعا ، وقد اجتمع القوم على الفرقة ، وافترقوا عن الجماعة ، قد ولّوا أمرهم ، وأمر دينهم ، من يعمل فيهم بالمكر والمنكر ، والرّشا والقتل ، كأنّهم أئمّة