لقد نسي أولئك : أن الخلاص من أوضاعهم المزرية ؛ لا يكون عن طريق قارئة الفنجان ؛ أو الركون إلى مواطن الأحلام . وإنما إذا شاؤوا ذلك ؛ فعليهم أن يعلموا أن الخلاص لن يتحقق إلّا بإزالة أسباب تلك الأوضاع ؛ وأن المجد لن يكون إلّا بالنصب والتعب ، قال اللّه تعالى :
فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ( 7 ) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ
[ الشرح : 7 - 8 ] .
أما علامات الساعة : فما هي إلا حقائق ؛ ستقع ؛ وتكون واضحة المعالم ؛ لا تحتاج إلى تفسير أو تبيان من خلالها ؛ يميز اللّه الخبيث من الطيب ؛ ويبدل الأوضاع بتسارع عجيب مذحل ؛ شريطة : أن يعمل الإنسان ، ويستمسك بحبل اللّه المتين ؛ يقظا ، لبيبا ، عليما . وهذا هو تحليل الخلاص :
نبذ حبّ الدّنيا ؛ وكراهيّة الموت :
أخرج أبو داود « كتاب الملاحم » باب : في تداعى الأمم على الإسلام رقم 4271 . « عن ثوبان قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها » .
فقال قائل : « ومن قلّة نحن يومئذ ؟ » .
قال : « بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنّكم غثاء كغثاء السّيل ، ولينزعنّ اللّه من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذفنّ اللّه في قلوبكم الوهن » فقال قائل : « يا رسول اللّه وما الوهن ؟ » قال : « حبّ الدّنيا ؛ وكراهية الموت » « 1 » .
هامش
( 1 ) الشرح : ( يوشك الأمم ) : أي : يقرب فرق الكفر وأمم الضلالة .
( أن تداعى عليكم ) : بحذف إحدى التاءين . أي : تتداعى . بأن يدعو بعضهم بعضا لمقاتلتكم ؛ وكسر شوكتكم ؛ وسلب ما ملكتموه من الديار والأموال .
( كما تداعى الأكلة ) : بفتحتين بوزن طلبة وهو جمع آكل ، والمعنى كما يدعو أكلة الطعام بعضهم بعضا . ورواية أبي داود « لنا الآكلة » بوزن فاعلة .
( إلى قصعتها ) . الضمير للأكلة - أي : التي يتناولون منها بلا مانع ولا منازع ؛ -