وقوع التفويض في القرآن الكريم
خلصنا إلى القول أن الغلو المنفي في الآيات والروايات هو المساوق لادعاء الألوهية أو الشريك لله .
وأن التفويض إلى الأئمّة مع عزل اللّه نفسه كفر ، لأنّه إثبات لشريك لله .
ويبقى ما دلّت عليه الأدلّة السابقة وهو التفويض لآل محمّد في التصرّف بالأمور الكونية في طول قدرة اللّه تعالى أو في ظل مشيئته تعالى .
وهذا التفويض في القرآن كثير منها قوله تعالى :
1 -
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
-
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ
« 1 » .
فالله فوّض إلى جبرائيل إنزال القرآن على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وفي نفس الوقت اللّه هو الذي أنزل القرآن عليه ، وهذا التفويض ليس استقلاليا ، بل هو بإذن اللّه وتحت قدرته .
2 -
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
« 2 » .
فالآية نفت الرمي في عين إثباته وأثبتته في عين نفيه ، وهذا تفويض للنبي الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في الرمي ، وفي نفس الوقت اللّه هو الذي رمى حقيقة ، فرمي الرسول في طول رمي اللّه تعالى .
وبتعبير أدق : كان رمي رسول اللّه مظهرا لرمي اللّه ودالّا عليه « 3 » .
3 -
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ
وقال :
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ
طَيِّبِينَ
« 4 » .
وقال تعالى :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها
« 5 » .
ففي عين نسبة الإماتة لملك الموت نسبها للملائكة ثم نسبها لنفسه تعالى . وهذا تفويض لملك الموت في الإماتة وليس هو بعرض إماتة اللّه للأنفس .
وأيضا هنا تفويض آخر وهو تفويض جبرائيل الإماتة للملائكة أو اللّه للملائكة .
4 -
وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً
« 6 » .
هامش
( 1 ) سورة الحجر الآية : 9 - وسورة الشعراء ، الآية : 93 .
( 2 ) سورة الأنفال ، الآية : 17 .
( 3 ) تقدّم الحديث عن معنى المظهرية في الولاية التكوينية في مطلع البحث .
( 4 ) سورة السجدة ، الآية : 11 - وسورة النحل ، الآية : 28 - 32 .
( 5 ) سورة الزمر ، الآية : 42 .
( 6 ) سورة النازعات ، الآية : 1 - 5 .