فمطلع الدعاء انحصار علم الغيب باللّه ، إلّا أن الصحيح أنه ينفي علم الغيب لغير اللّه بالاستقلال وبلا تعليمه ؛ بقرينة تدبير الأمور والرزق والأحياء والإماتة ، فمع كونها منحصرة باللّه فقد فوّضها اللّه تعالى للملائكة وجبرائيل والأنبياء ، كما تقدم ويأتي على سبيل الظلية والمرآتية .
وعن أبي عبد اللّه عليه السّلام : « إن الناس في القدر على ثلاثة أوجه : رجل يزعم أن اللّه عزّ وجلّ أجبر الناس على المعاصي فهذا قد ظلم اللّه في حكمه فهو كافر .
ورجل يزعم أن الأمر مفوّض إليهم ، فهذا قد أوهن اللّه في سلطانه فهو كافر » « 1 » .
* أقول : ما نفاه روحي فداه هو التفويض الذي يؤدي إلى توهين سلطان اللّه تعالى ؛ فحكم بكفره ، وما أثبتناه من الظلية والمرآتية وإن اللّه هو الفاعل بالحقيقة لا يوهن سلطان اللّه وعظمته ، بل يحفظ له عزت آلاؤه قدرته وسلطانه ، والذي يدل عليه أنّه جعل التفويض في مقابل الجبر ، وما قلناه هو الأمر بين أمرين فتأمّل تبصر .
* والخلاصة : فالأدلّة المدعاة لنفي التفويض بإذن اللّه ليست إلّا أدلّة تنفي التفويض الإستقلالي ، بل بعضها كما عرفت مؤيّدا للأدلّة المتقدّمة على التفويض لآل البيت عليهم السّلام والذي هو بإذن اللّه ومشيئته .
* خلاصة ودليل :
وجدت بعد ذكر الأدلّة رواية يدّعي فيها الجاثليق أن من أحيى الموتى فهو رب مستحق أن يعبد ، ولذلك قالوا بربوبية عيسى عليه السّلام .
فأجابه الإمام الرضا عليه السّلام بأن إحياء الموتى لا يؤدي للقول بالربوبية وذلك لأنّه يحيي بإذن اللّه تعالى .
قال الإمام الرضا عليه السّلام : « . . . فإن اليسع قد صنع مثل ما صنع عيسى مشى على الماء وأحيى الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص ، فلم تتخذه أمّته ربا ولم يعبده أحد من دون اللّه .
ولقد صنع حزقيل النبي مثل ما صنع عيسى ابن مريم عليهما السّلام فأحيى خمسة وثلاثين ألف رجل من بعد موتهم بستين سنة » .
وساق الحديث وذكر إحياء النبي محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم للموتى وإبراء الأكمه والأبرص فقال : « لقد أبرأ ( النبي محمد ) الأكمه والأبرص والمجانين وكلمه البهائم والطير والجن والشياطين ولم نتخذه ربا من دون اللّه عزّ وجلّ » « 2 » .
وهذا نص فيما نحن فيه .
هامش
( 1 ) التوحيد : 360 باب نفي الجبر والتفويض ح 5 باب رقم 59 .
( 2 ) التوحيد للصدوق : 423 باب ذكر مجلس الرضا ح 1 باب 65 .