العلم بكل شيء قال : فيحصل جميع العلوم لتلك النفس وينتقش فيها جميع الصور من غير تعلّم وتفكّر ومصداق هذا قوله تعالى لنبيّه :
وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
« 1 » .
ويأتي علم الأئمة بموتهم على التفصيل ، والتي هي أمور غيبية .
وعلم الغيب لا بدّ أن يكون داخلا تحت هذا الشيء .
أمّا ما ورد في نفي علم الغيب عنهم فلمّا تقدّم أنّهم ينفونه بكونه صفة لواجب الوجود ، وإنّه عين الذات ، فالنبي كان لعلم الغيب الإستقلالي ، ولم ينفوه بما هو من الله تعالى .
قال العلّامة المجلسي : قد عرفت مرارا أنّ نفي علم الغيب عنهم معناه أنّهم لا يعلمون ذلك من أنفسهم بغير تعليمه تعالى بوحي أو إلهام ، وإلّا فظاهر أنّ عمدة معجزات الأنبياء والأوصياء عليهم السّلام من هذا القبيل « 2 » .
وللعلّامة الأميني كلام مشابه جميل لا بأس بالرجوع إليه « 3 » .
وممّا يؤيّد ذلك قصّة الإمام الجواد عليه السّلام مع ابنة امّ جعفر حيث علم منها ما لا يعلمه إلّا الله فسألته امّ جعفر قائلة : « فمن أين لك علم ما لا يعلمه إلّا الله وهي » ؟ .
فقال عليه السّلام : « وأنا أيضا أعلمه من علم الله » « 4 » .
وبعد هذا لا يصار إلى ما ذكره الشيخ المفيد ( قده ) في أوائل المقالات « 5 » من نسبة علم الغيب إلى المفوضة ، حيث فسّر علم الغيب بأنّه من علم الأشياء بنفسها لا بعلم مستفاد ، فكأنه وقع خلط بين العلم الثابت لله كصفة لواجب الوجود وهو علم استقلالي نابع من ذات الباري عزّت ألاؤه ، وبين العلم الذي يوصف به آل محمد عليهم السّلام والذي هو من تعليم الله تعالى ، فليس هو بالعلم الإستقلالي ولا يعدّ صفة لواجب الوجود .
فالأئمة يعلمون الأمور الغيبية من علم الله ، كما بيّناه .
فينتج :
أولا : أنّ علم الغيب لا يؤدي إلى التفويض المحرّم ، وإن كان بمعنى التفويض الصحيح « 6 » .
ثانيا : شمول علم الأئمة عليهم السّلام لعلم الغيب كما تقدّم .
ثالثا : بقية الاحتمالات في سعة علم آل محمد عليهم السّلام لا تنافي علم الغيب .
هامش
( 1 ) الرسالة اللدنية : 69 وتقدّم كلامه مفصّلا .
( 2 ) بحار الأنوار : 26 / 103 باب انّهم لا يعلمون الغيب ح 6 .
( 3 ) الغدير : 5 / 52 إلى 65 .
( 4 ) مشارق أنوار اليقين : 99 .
( 5 ) أوائل المقالات : 68 القول 42 .
( 6 ) قد تقدم معاني التفويض .