على أنه لو كان ، يحمل على عشق الإمام للقاء اللّه تعالى وفعله المستحيل من أجل ذلك .
الجواب التاسع وهو الصحيح : إننا قدمنا في هذا الكتاب - الولاية التكوينية - أنّ آل محمد كانوا أنوارا حول عرش اللّه ، وإنّما أنزلهم اللّه إلى الدنيا لهداية البشر المتوقفة عليهم .
ومعلوم أن هذا الهبوط خلاف طبع الأولياء والعرفاء .
والله سبحانه وتعالى أنزلهم على فترات مختلفة ابتداء برسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم حتى الإمام المهدي عجل اللّه فرجه ، وجعل لكل إمام عليه السّلام مدّة محدّدة يقضي فيها مع أصحابه ليهديهم ، فإذا انتهت مدّة الإمام الأوّل انتقلت المهمة إلى الإمام الثاني وهكذا .
وعند انتهاء مدّة الإمام الأوّل ، فإنّ العلّة التي اقتضت هبوطهم من عالم الأنوار وعرش الرحمن ترتفع ، وإذا ارتفعت العلّة وجب أن يعودوا إلى مقرّهم الطبيعي .
ويؤيّده قول رسول اللّه للرضا عليهما السّلام في المنام : « ما عندنا خير لك » « 1 » .
وقد تقدّم أيضا في هذا الكتاب أحاديث أنّ الإمام قلبه مع اللّه وشخصه مع الخلق ، فهو عيشه الدائمي مع اللّه ، ولكن لمصلحة الهداية كان مع البشر .
ويؤيّده ما تقدّم في الإمام الحسين عليه السّلام انّه خيّر بين النصر ولقاء اللّه فاختار لقاء اللّه « 2 » .
وما روي عن إمامنا زين العابدين عليه السّلام : « والله لا يشغلني شيء عن شكره وذكره في ليل ولا نهار ولا سرّ ولا علانية ، ولولا إنّ لأهلي علي حقا ولسائر الناس في خاصّهم وعامّهم عليّ حقوقا لا يسعني إلّا القيام بها حسب الوسع والطاقة حتى أؤديها إليهم ؛ لرميت بطرفي إلى السماء وبقلبي إلى اللّه ثم لم أردهما حتى يقضي اللّه على نفسي وهو خير الحاكمين » « 3 » .
ويؤيّده أيضا ما روي عن الإمام الرضا عليه السّلام في سبب إقدام أمير المؤمنين عليه السّلام على الصلاة في المسجد مع علمه بابن ملجم وقتله له قال عليه السّلام : « ذلك كان ولكنّه خيّر في تلك الليلة لتمضي مقادير اللّه عزّ وجلّ « 4 » .
وتكون مقادير اللّه أن مدّة إمامة الإمام الأوّل عليه السّلام انتهت ليأتي الإمام الثاني .
وبعبارة مختصرة : ليس الإشكال في سبب موت الإمام عليه السّلام وعروجه إلى مقام قاب قوسين أو أدنى ، إنّما الإشكال في هبوط الإمام من مقامه إلى هذه الدنيا .
امّا مسألة رمي النفس في التهلكة ، فإن التهلكة هي وضع النفس في موضع الضرر أو
هامش
( 1 ) الكافي : 1 / 260 ح 8 و 6 .
( 2 ) المصدر السابق .
( 3 ) الآداب المعنوية للصلاة : 313 .
( 4 ) أصول الكافي : 1 / 259 باب علمهم بموتهم .