غير موهوم ، ولكنا نقول : كل موهوم بالحواس مدرك فما تحده الحواس وتمثله فهو مخلوق ، ولا بد من إثبات صانع للأشياء خارج من الجهتين المذمومتين : إحداهما النفي إذ كان النفي هو الإبطال والعدم ، والجهة الثانية التشبيه من صفة المخلوق الظاهر التركيب والتأليف ، فلم يكن بد من إثبات الصانع لوجود المصنوعين ، والاضطرار منهم إليه ثبت أنهم مصنوعون ، وأن صانعهم غيرهم وليس مثلهم إذ كان مثلهم شبيها بهم في ظاهر التركيب والتأليف وفيما يجري عليهم من حدوثهم بعد أن لم يكونوا ، وتنقّلهم من صغر إلى كبر وسواد إلى بياض وقوة إلى ضعف وأحوال موجودة لا حاجة بنا إلى تفسيرها لثباتها ووجودها .
قال السائل : فقد حددته إذ أثبت وجوده .
قال أبو عبد الله عليه السّلام : لم أحدده ولكن أثبته ، إذ لم يكن بين الإثبات والنفي منزلة .
قال السائل : فله إنية ومائية ؟
قال : نعم لا يثبت الشئ إلا بإنية ومائية .
قال السائل : فله كيفية ؟
قال : لا ، لأن الكيفية جهة الصفة والإحاطة ،
ولكن لا بد من الخروج من جهة التعطيل والتشبيه ، لأن من نفاه أنكره ودفع ربوبيته وأبطله ، ومن شبهه بغيره فقد أثبته بصفة المخلوقين المصنوعين الذين لا يستحقون الربوبية ، ولكن لا بد من إثبات ذات بلا كيفية لا يستحقها غيره لا يشارك فيها ولا يحاط بها ولا يعلمها غيره .
قال السائل : فيعاني الأشياء بنفسه ؟
قال أبو عبد الله عليه السّلام : هو أجل من أن يعاني الأشياء بمباشرة ومعالجة ، لأن ذلك صفة المخلوق الذي لا تجي الأشياء إليه إلا بالمباشرة والمعالجة ، وهو تعالى نافذ الإرادة والمشية ، فعال لما يشاء .
قال السائل : فله رضى وسخط ؟
قال أبو عبد الله عليه السّلام : نعم ، وليس ذلك على ما يوجد في المخلوقين ، وذلك أن الرضى والسخط دخال يدخل عليه فينقله من حال إلى حال ، وذلك صفة المخلوقين العاجزين المحتاجين ، وهو تبارك وتعالى العزيز الرحيم لا حاجة به إلى شي مما خلق ، وخلقه جميعا محتاجون إليه ، وإنما خلق الأشياء من غير حاجة ولا سبب اختراعا وابتداعا .
قال السائل : فقوله :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
« 1 » ؟
هامش
( 1 ) سورة طه : 5 .