فجاء صاحب الحبس إلى هشام فقال : يا أمير المؤمنين إنّي خائف عليك من أهل الشام أن يحولوا بينك وبين مجلسك هذا ؛ ثمّ أخبره بخبره ، فأمر به فحمل على البريد « 1 » هو وأصحابه ليردّوا إلى المدينة وأمر أن لا يخرج لهم الأسواق وحال بينهم وبين الطعام والشراب فساروا ثلاثا لا يجدون طعاما ولا شرابا حتّى انتهوا إلى مدين « 2 » ، فأغلق باب المدينة دونهم فشكا أصحابه الجوع والعطش قال : فصعد جبلا ليشرف عليهم فقال بأعلى صوته : يا أهل المدينة الظالم أهلها أنا بقيّة اللّه ، يقول اللّه :
بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
« 3 » .
قال : وكان فيهم شيخ كبير فأتاهم فقال لهم : يا قوم هذه واللّه دعوة شعيب النبيّ « 4 » واللّه لئن لم تخرجوا إلى هذا الرّجل بالأسواق لتؤخذنّ من فوقكم ومن تحت أرجلكم فصدّقوني في هذه المرّة وأطيعوني وكذّبوني فيما تستأنفون فإنّي لكم ناصح .
قال : فبادروا فأخرجوا إلى محمّد بن عليّ وأصحابه بالأسواق ، فبلغ هشام بن عبد الملك خبر الشيخ فبعث إليه فحمله فلم يدر ما صنع به « 5 » .
* * *
بين الإمام الباقر وعمر بن عبد العزيز
كان عمر يتردد على الإمام الباقر عليه السّلام يستنصحه . والباقر يوصيه بالمسلمين أجمعين - فيقول له بين ما يقول : أوصيك أن تتخذ صغير المسلمين ولدا . وأوسطهم أخا . وأكبرهم أبا . فارحم ولدك .
وصل أخاك . وبر والدك . فإذا صنعت معروفا فربه أي تعهده « 6 » .
هامش
( 1 ) قال الزمخشري في الفائق : البريد الرسول ويجمع على برد بضم الباء والراء ، وقد تسكن الراء للتخفيف كرسل ورسل والبريد في الأصل البغل وهي كلمة فارسية أصلها بريده دم أي محذوفة الذنب لأنّ بغال البريد كانت محذوفة الأذناب كالعلامة لها فأعربت وخففت بحذف الآخر وفتح الأول ثم سمى الرسول الذي يركبه بريد أو المسافة التي بين السكتين بريدا ، والسكة الموضع الذي كان يسكنه الفيوح المرتبون من رباط أو قبة أو بيت أو نحو ذلك وبعد ما بين السكتين فرسخان وكان يرتب في كل سكة بغال وكتب في الحاشية : قيل والصواب أربعة فراسخ ، ونقل هذا القول صاحب النهاية أيضا .
( 2 ) قيل : هي قرية شعيب النبيّ ، قيل : منها إلى الشام ثلاثة منازل ، وقال علي بن إبراهيم ( ؛ ) : هي قرية على طريق الشام .
( 3 ) سورة هود ، الآية : 86 .
( 4 ) كما قال اللّه عز شأنه :وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ .( 5 ) الكافي : 1 / 472 ح 5 ، ومدينة المعاجز : 5 / 79 .
( 6 ) الإمام جعفر الصادق عليه السّلام ، عبد الحليم الجندي : 140 .