مدّة الإمام الذي بعده ، فإن العلّة التي اقتضت بقاءه قد ارتفعت فيعود إلى مقرّه الأبدي .
وسوف يأتي توضيح ذلك في الجواب الصحيح .
* الجواب الثالث : ما ذكره العلّامة المجلسي قال : ( إن التحرّز عن أمثال تلك الأمور ( كتناول السم ونحوه )
إنّما يكون فيمن لم يعلم جميع أسباب التقادير الحتمية ، وإلّا فيلزم أن لا يجري عليهم شيء من التقديرات المكروهة ، وهذا ممّا لا يكون .
والحاصل أن أحكامهم الشرعية منوطة بالعلوم الظاهرية لا بالعلوم الإلهامية ) « 1 » .
مراده : أن الإنسان العادي إذا علم أن ما يأكله سم يؤدي إلى الموت فإنّه يمتنع عن تناوله ويتحرّز عنه لعدم علمه بالأسباب الحقيقية للموت وعدم علمه بكيفية موته من غير هذا السم ، إذ لعل الإنسان لو يعلم أن موته سوف يقع بأمر أعظم من السم ، أو أنه سوف يموت أمام أطفاله فيما بعد ، لقبل بموته بالسم هذا ولتناوله من أجل أنه اختار أهون الموتتين وأصلحهما له أو لعياله .
امّا أهل البيت عليهم السّلام فهم يعلمون كل التقديرات المكروهة والأفعال التي سوف تحلّ بهم ، فمثلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عندما خرج إلى المسجد الحرام كان يعلم أن كفّار قريش سوف يلقون عليه أثناء الصلاة السل وفضلات الحيوان ، ومع علمه خرج ، وهكذا في كثير من الأمور المكروهة التي تحصل لهم عليهم السّلام .
وعليه فالإمام يتعامل بالظواهر في أمثال هذه الأمور كبقية الناس مع علمه بما يحصل ، لذا ورد الحديث الشريف : « نحن صبر وشيعتنا أصبر لأننا نصبر على ما نعلم وهم يصبرون على ما لا يعلمون » « 2 » .
وعليه ، فعند ما عرض على الإمام عليه السّلام العنب المسموم فإنّه يتعامل معه على أنّه عنب ، ولا يتعامل معه على أنّه سمّ مميت تنزيلا لنفسه منزلة الأشخاص العاديين .
وإلّا لو أراد الإمام التعامل معه على أنه سمّ حقيقي لما تناوله وعندها لا يقع عليه القتل أبدا مع علمه أن اللّه قد كتبه عليه ! !
هذا ما يمكن أن يوجه به جواب العلّامة المجلسي .
وفيه : أنّه إن صح لا يفسّر حقيقة علمهم بموتهم .
على أنّه التزم بأن فعل الإمام تهلكة إلّا أن تكليفه فيها غير تكليفنا نحن فيها ، وهذا لا ملزم لنا للقبول به ، لما يأتي في الجواب الصحيح .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : 48 / 236 تاريخ الإمام الكاظم .
( 2 ) بحار الأنوار : 32 / 175 ح 132 كتاب 35 .