ونعتت لك نفسها ، وتكشّفت لك عن مساوئها ، فإنّما أهلها كلاب عاوية ، وسباع ضارية ، يهرّ بعضها على بعض ، ويأكل عزيزها ذليلها ، ويقهر كبيرها صغيرها .
نعم معقّلة ، وأخرى مهملة ، قد أضلّت عقولها ، وركبت مجهولها .
سروح عاهة بواد وعث ، ليس لها راع يقيمها ، ولا مسيم يسيمها . سلكت بهم الدّنيا طريق العمى ، وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى ، فتاهوا في حيرتها ، وغرقوا في نعمتها ، واتّخذوها ربّا فلعبت بهم ولعبوا بها ، ونسوا ما وراءها .
رويدا يسفر الظّلام ، كأن قد وردت الأظعان ! يوشك من أسرع أن يلحق !
واعلم يا بنيّ أنّ من كانت مطيّته اللّيل والنّهار ، فإنّه يسار به وإن كان واقفا ، ويقطع المسافة وإن كان مقيما وادعا .
واعلم يقينا أنّك لن تبلغ أملك ، ولن تعدو أجلك ، وأنّك في سبيل من كان قبلك .
فخفّض في الطّلب ، وأجمل في المكتسب ، فإنّه ربّ طلب قد جرّ إلى حرب ؛ وليس كلّ طالب بمرزوق ، ولا كلّ مجمل بمحروم .
وأكرم نفسك عن كلّ دنيّة وإن ساقتك إلى الرّغائب ، فإنّك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا . ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرّا . وما خير خير لا ينال إلّا بشرّ ، ويسر لا ينال إلّا بعسر .
وإيّاك أن توجف بك مطايا الطّمع ، فتوردك مناهل الهلكة . وإن استطعت ألّا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل ، فإنّك مدرك قسمك ، وآخذ سهمك ، وإنّ اليسير من الله سبحانه أكرم وأعظم من الكثير من خلقه وإن كان كلّ منه .
وتلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك ، وحفظ ما في الوعاء بشدّ الوكاء ، وحفظ ما في يديك أحبّ إليّ من طلب ما في يدي غيرك ، ومرارة الياس خير من الطّلب إلى النّاس ، والحرفة مع العفّة خير من الغنى مع الفجور ، والمرء أحفظ لسرّه ، وربّ ساع فيما يضرّه !
من أكثر أهجر ، ومن تفكّر أبصر .
قارن أهل الخير تكن منهم ، وباين أهل الشّرّ تبن عنهم .
بئس الطّعام الحرام ! وظلم الضّعيف أفحش الظّلم !
إذا كان الرّفق خرقا ، كان الخرق رفقا .
ربّما كان الدّواء داء ، والدّاء دواء ، وربّما نصح غير النّاصح ، وغشّ المستنصح .
موسوعة أهل البيت ( ع ) — صفحة 164
مساهمون: السيد علي عاشور
ص١٦٤