هذه المحن والمصائب ابتدأت منذ طفولتها بوفاة أمّها خديجة ثمّ بمحاربة قريش لأبيها ثمّ بحصارها في شعب أبي طالب ثلاث سنوات ، ثمّ بوفاة أبي طالب الحامي والمدافع لها ولأبيها ثمّ في هجرتها ثمّ في عيشها ومشقّة الدّنيا ، ثمّ في وفاة أبيها ، ثمّ في سلبها إرثها ، ثمّ ضربها وراء الباب وإسقاط جنينها ، ثمّ إحراق بابها أو التهديد به ، ثمّ غصب خلافة عليّ عليه السّلام وتهديده بالقتل .
1 - فاطمة اليتيمة : لمّا توفّيت خديجة جعلت فاطمة تلوذ برسول اللّه وتدور حوله وتقول : يا أبه أين أمّي « 1 » .
2 - فاطمة في مكّة : تقدّم دفاعها عن أبيها في قريش وصبرها على أذيته صلوات اللّه عليه .
وتقدّم حصارها في الشعب وكيف كانت تربط الحجر على بطنها من شدّة الجوع وكان الشعب بمثابة الحبس في هذه الأزمنة ، وجميع الناس يعلم أثر الحبس وتأثيره خاصّة على أهل بيت النبوّة صلوات اللّه عليهم ، الذين يعتبرون حجج اللّه في الأرض والمالكون الحقيقيون لهذه الدنيا .
وازداد هذا الظلم على فاطمة بوفاة شيخ قريش وسيّدها عمّها أبو طالب حامي النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والمدافع عنه وعنها ، فزاد اضطهاد فاطمة وأبيها لقلّة الناصر ، حتّى اضطرّت أن تهاجر من مكّة القبلة الطاهرة إلى المدينة مع صعوبة الطريق وكثرة الأعداء كما تقدّم .
3 - فاطمة في المدينة : انتقلت فاطمة يتيمة الامّ مهاجرة إلى المدينة التي هبّت لاستقبال بنت النبيّ الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فنزلت على أمّ أيّوب الأنصارية ، ومع تلطّف أمّ أيّوب ورعايتها لحقّ فاطمة إلّا أنّ فاطمة اعتادت على العيش في بيت النبوّة تستقبل النساء وتقوم بخدمتهنّ ، فكانت في بداية الأمر غريبة المنزل ، ثمّ بنى النبيّ الأعظم المسجد الشريف وبيوتات حوله فكان لفاطمة وأبيها منزلا متواضعا في داخل المسجد ، ثمّ بعد زواجها المبارك من النور المبارك عليّ عليه السّلام انتقلت إلى بيتها الجديد وكان أيضا في المسجد إلى جانب حجرة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
وكانت الحياة الزوجية لفاطمة شاقّة صبرت عليها احتسابا لأجر الآخرة ، وممّا روي في صبرها وتجمّلها على ذلك ما أخرجه أحمد في الفضائل عن علي عليه السّلام أنّه قال : « . . فجرت بالرحى حتّى أثّر الرحى بيدها واستقت بالقربة حتّى أثّرت القربة بنحرها ، وقمّت البيت حتّى اغبرّت نقابها وأوقدت القدر حتّى دنست ثيابها فأصابها من ذلك ضرّ . . . » « 2 » فصبرت عليه ، سلام اللّه عليها .
وأخرج الطبراني في الصغير قول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لأبي أيّوب بعد إعطائه طعاما : أبلغ بهذا فاطمة فإنّها لم تصب مثل هذا منذ أيّام « 3 » .
وكان يقول لها النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عند ذلك : يا فاطمة اصبري على مرارة الدّنيا لنعيم الآخرة غدا « 4 » .
هامش
( 1 ) الأمالي للطوسي : 175 ح 294 .
( 2 ) فضائل الصحابة لأحمد : 2 / 705 ح 1207 .
( 3 ) المعجم الصغير : 1 / 67 - 68 ح 172 .
( 4 ) الفردوس : 5 / 435 ح 8660 .