إيثار فاطمة وكرمها عليها السّلام
أخرج ابن الجوزي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم صنع لفاطمة قميصا جديدا ليلة عرسها وزفافها وكان لها قميص مرقوع ، وإذا بسائل على الباب يقول : أطلب من بيت النبوّة قميصا خلقا ، فأرادت أن تدفع إليه القميص المرقوع فتذكّرت قوله تعالى :
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
« 1 » فدفعت إليه الجديد ، فلمّا قرب الزفاف نزل جبرائيل وقال : يا محمّد إنّ اللّه يقرئك السلام وأمرني أن أسلّم على فاطمة وقد أرسل لها معي هدية من ثياب الجنّة من السندس الأخضر ، فلمّا بلّغها السلام وألبسها القميص الذي جاء به لفّها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالعباءة ولفّها جبرائيل عليه السّلام بأجنحته حتّى لا يأخذ نور القميص بالأبصار ، فلمّا جلست بين النساء الكافرات ومع كلّ واحدة شمعة ومع فاطمة رضي اللّه عنها سراج رفع جبرائيل جناحه ورفع العباءة وإذا بالأنوار قد طبقت المشرق والمغرب ، فلمّا وقع النور على أبصار الكافرات خرج الكفر من قلوبهنّ وأظهرن الشهادتين « 2 » .
روحي فداها لو أنّ الفقير لم يطلب القميص الخلق لما همّت بإعطائه إيّاه ولناولته الجديد مباشرة ، ولكن لسماعها قوله ورغبته بالقميص الخلق تبادر ذهنها إليه ، ثمّ كانت من الذين آمنوا
الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ
« 3 » فذكرت قول اللّه وهي الحافظة للقرآن
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ
فأعطت ما تحبّ لما تحبّ وهو مرضاة اللّه تعالى .
وأخرج ابن الأثير بيع فاطمة لسلسلة من ذهب وشراء غلام وإعتاقه في سبيل اللّه « 4 » .
وعن جابر الأنصاري قال : صلّى بنا رسول اللّه صلاة العصر ، فلمّا انفتل جلس في قبلته والناس حوله فبينما هم كذلك إذ أقبل إليه شيخ من مهاجرة العرب [ عليه ] « 5 » سمل قد تهلّل « 6 » وأخلق « 7 » ، وهو لا يكاد يتمالك كبرا وضعفا « 8 » ، فأقبل عليه رسول اللّه يستجليه « 9 » . فقال الشيخ : يا نبيّ اللّه أنا جائع الكبد فأطعمني وعاري الجسد فاكسني وفقير فأرشيني .
فقال : ما أجد لك شيئا ولكن الدالّ على الخير كفاعله ، انطلق إلى منزل من يحبّ اللّه ورسوله ويحبّه اللّه ورسوله يؤثر اللّه على نفسه ، انطلق إلى حجرة فاطمة ، وكان بيتها ملاصق بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الذي ينفرد به لنفسه من أزواجه .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 92 .
( 2 ) نزهة المجالس : 2 / 226 مناقب فاطمة 3 .
( 3 ) سورة الحجّ : 35 .
( 4 ) جامع الأصول : 4 / 727 ح 2845 .
( 5 ) من البحار .
( 6 ) السمل - بالتحريك - الثوب الخلق ، قوله : قد تهلّل أي الرجل ، من قولهم : تهلّل وجهه إذا استنار وظهر فيه آثار السرور ، أو الثوب كناية عن انخراقه - البحار .
( 7 ) في « ط » : اختلق .
( 8 ) في « ط » : ضعفا وكبرا .
( 9 ) في البحار : يستحثّه ، وهو بمعنى يسأله الخير ويحثّه ويرغبه على ذكر أحواله .